Sunday, 25 September 2016

رأي ونقاش حول بيان سكرتارية اللجنة المركزية الاخير

رأي ونقاش حول بيان سكرتارية اللجنة المركزية الاخير


أمجد فريد الطيب

تناول بيان سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني الاخير تطورات الاحداث السياسية الراهنة. واشار الي ان (ما يحاك في أديس) يهدف لطريق اخر غير اتجاه تفكيك واسقاط النظام عبر الانتفاضة، رابطاً في ذات الحين بين محادثات أديس أبابا ومشروع (الهبوط الناعم) ومساعي فرضه على الشعب السوداني. وكذلك تناول البيان معضلة خارطة الطريق، والاختلاف الذي تم داخل قوى الاجماع حولها وتأثيرات ذلك على تحالف نداء السودان. واشار الي مواضيع الحرب في دارفور والمنطقتين واغاثة المواطنين المتأثرين بها هناك والسبل الامثل لإيقافها. ونادى البيان في خاتمته جماهير شعبنا لشحذ اسلحة عملها الجماهيري لقفل الطريق امام مؤامرات الرجعية وعملاء الامبريالية.

ما يرغب هذا المقال في مناقشته هو الخط السياسي الذي انتجت به سكرتارية اللجنة المركزية بيانها السابق والحقائق والمواقف والتحليلات التي ادت الي هذا الموقف. فالشاهد ان المفاوضات التي تدور في أديس حتى يومنا هذا هي مفاوضات تختص بالتوصل لوقف عدائيات لإيصال المساعدات الانسانية على مساري الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق. والغرض من وقف العدائيات هذا هو تهيئة بيئة ملائمة لعملية سياسية تضمن الخروج من الازمة الوطنية الحالية.
 وبغض النظر عما اذا كانت هذه العملية فعالة او غير ذلك فهي عين ما نصت عليه قرارات مجلس الأمن والسلم الافريقي 456 و 539 ورحب به الحزب عبر تحالفاته في تحالف نداء السودان باعتبارها تمثل بداية تؤدي الي السلام العادل الشامل والتحول الديموقراطي الكامل (بيان نداء السودان 9 سبتمبر 2015) وكان الحزب سابقا وفي تصريح صحفي للناطق الرسمي بتاريخ 29 ديسمبر 2012 قد اعتبر ان التفاوض مع الحركة الشعبية شمال هو المدخل الصحيح لإيقاف الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق (ارشيف الميدان) وكذلك اكد الجزب عبر ناطقه الرسمي مرارا ضرورة الاحتكام الي قرارات الاتحاد الافريقي المذكورة واخرها في ابريل 2016 في لقاء مع جريدة الوان وايضاً شارك الحزب سابقا وعبر وفد لقوى الاجماع  في اللقاء التحضيري الذي دعا اليه الاتحاد الافريقي حسب نص هذه القرارات واجهضته مقاطعة الحكومة في مارس 2015. الامر الذي يجعل العملية السياسية التي تتم حاليا في اديس قد نالت سابقا مباركة ومشاركة كافة الفصائل الوطنية ومن بينها الحزب الشيوعي بما يجعل من الصعب وصفها الان بالمؤامرة المحاكة ودعم الهبوط الناعم.

وأمر اديس هنا محتاج لبعض التفصيل، للفصل بين عملية وقف الحرب وبين العملية السياسية التي تولى الاتحاد الافريقي برضاء الفرقاء السودانيين في مطلع الامر الوساطة فيها والتعقيدات التي لحقت بهذه الوساطة الافريقية واسبابها.
بالنسبة لوقف الحرب والمساعدات الانسانية. فان الموقف الذي يطرحه بيان س.ل.م الاخير والذي يقول بان ايقاف الحرب وايصال المساعدات الانسانية هو مسئولية الحكومة لأنها هي المتسببة بالحرب. فهذا الشعار السياسي سليم في ظاهره ولكنه كسول وغير واقعي. فالحكومة ليست مسئولة عن الحرب فحسب ولكنها مسئولة عن كافة اوجه الدمار الذي حاق بالسودان منذ انقلابها في يونيو 89، ومطالبتها وحدها بحل هذه القضايا من قبيل نفسها دون الانخراط في عملية سياسية للضغط عليها لصالح مصلحة المواطنين السودانيين في المناطق المتأثرة بالحرب هو من قبيل الاماني المنعزلة عن الواقع في ابراج النقاء الثوري الشعاراتية. ضرورة التعامل مع الوضع الراهن والانخراط في دعم عملية ايقاف الحرب يشكل مكاسب حقيقية للحركة الجماهيرية الديمقراطية، بل ان الانعزال عن هذه العملية ووصمها يمكنه ان يؤدي نتائج سلبية قد تتمثل في حلول ثنائية لا تدعم مسار الحل السياسي الشامل. وفي مثال نيفاشا اسوة حسنة حين اختارت قوى التجمع الوطني حينها الاعتصام بجبل المبادرة المصرية الليبية للحل السياسي منعزلة عن مسار تفاوض مبادرة الايقاد والذي قاد لاتفاقية نيفاشا بين الحركة الشعبية والحكومة، تاركة للتجمع الوطني فتات اتفاقية القاهرة المعيبة. والشاهد ان الظرف السياسي الاقليمي والدولي اليوم مختلف عن 2002 الي 2005 وهناك رغبة من كافة الاطراف التي تحمل السلاح في الانخراط في عملية سياسية تؤدي الي حل سياسي عادل وشامل. ونجاح مفاوضات ايقاف الحرب يشكل فرصة حقيقية لذلك. الحل السياسي للجذور التي قادت الي هذه الحرب كما يطرح بيان س.ل.م يبدأ بالضرورة من محطة التوصل الي ايقاف إطلاق نار وايصال المساعدات الانسانية للمتضررين منها وذلك هو عين الذي يدور حوله التفاوض في اديس.

العملية السياسية التي يحاول الاتحاد الافريقي رعايتها لتصل الي حوار وطني حقيقي يخاطب جذور الازمة السودانية تعقد مسارها في مارس الماضي بخارطة الطريقة التي طرحها الاتحاد الافريقي ووقع عليها منفردا مع حكومة المؤتمر الوطني في مارس الماضي ولحق بعد ذلك توقيع عدة أطراف من المعارضة السودانية عليها في اغسطس 2016. كان الخلل الاساسي في خارطة الطريق المطروحة والذي اعترضت كافة فصائل المعارضة عليه في حينها هو استبعادها لبعض فصائل المعارضة ومحاولتها الوصول لاتفاقات جزئية مع بعضها. الامر الي تمت معالجته بضمان شمولية العملية في اغسطس لتقبل تلك القوى التوقيع. وبغض النظر عن عدم كفاءة وفعالية الية الوساطة الافريقية والتي زجت بنفسها كطرف الصراع السياسي السوداني بدلا من ان تلعب دورها كوسيط محايد في عملية الوساطة، فان حالة العزلة المجيدة عن العملية السياسية متدثرا بشعارات الابراج العاجية المعزولة عن الواقع والتي فرضها الحزب على نفسه منذ اجتماع قوى نداء السودان في برلين (فبراير مارس 2015)، والقرار الكارثي الذي اتخذه الاجتماع بتفويض قوى الجبهة الثورية وحزب الامة لمتابعة عملية الاتحاد الافريقي منفردين، وضع بها الحزب نفسه وقوى الاجماع من خلفه في خانة المقاطعة الفعلية للعملية التي وافق عليها وشرعنها من قبل. وزاد في عزلة الحزب أكثر تخلفه غير المبرر عن المشاركة في اخر ثلاثة اجتماعات لنداء السودان، دون مبررات مفهومة او موقف نقدي واضح من هذا التحالف. ومن الطبيعي ان هذا التخلف والانعزال سيودي الي غياب تأثير الحزب على صياغة الخط السياسي لتحالف نداء السودان ويودي تدريجيا الي استبعاده منه والذي هو ابتعاد ذاتي في واقع الامر. ان الاخطر ان محاولة خلط الاوراق لتبرير هذه العزلة لن يجدي من الحقيقة شيئا ولن يغير الواقع فيجعل خط الانعزال هو الصحيح، فالاجتماع القادم والمزمع عقده في اديس في نهاية هذا الشهر هو ليس جولة مفاوضات جديدة ليتم تصنيفها جزافا ضمن المؤامرات بل هو اجتماع لقوى نداء السودان. والتي لن يجدي المزايدة عليها استباقا من خارج اجتماعات التحالف. ان الحزب الان مطالب بتحديد موقف واضح من تكتيك واستراتيجية وحدة المعارضة المسلحة والمدنية وتحديد موقفه من نداء السودان (خصوصا وان كان هذا الاجتماع هو المقصود بما يحاك في اديس). نداء السودان نفسه يعاني هو نفسه من ازمات بنيوية في داخله. ولكن حسم موقف الحزب منه ضرورة ليتمكن بعد ذلك من شحذ سبل عمله وادواته الجماهيرية بناء على ذلك الموقف. وفي هذا التحديد لا توجد مسطرة للصواب او الخطأ لكن ما هو ضروري في ذاته هو التقييم الموضوعي لتجارب التحالفات وتحالفات التحالفات والاسس النظرية والسياسية التي انبنت عليها، بدلا من ان نسقط في مأزق (رجل جوا ورجل برا) الحالي. والناظر الي انعدام فعالية وتفاقم مشاكل التحالف الاخر للإجماع الوطني يضع انجاز واجب هذا التقييم في مرتبة متقدمة من اولويات عمل القيادة السياسية للحزب.

واهم فقط من لا يظن ان هناك اطماع امبريالية حقيقية ومصالح استعمارية حديثة تحوم حول سماء السودان وتسعى لفرض صفقة استقرار جزئي يضمن هذه المصالح. اتفاقية الخرطوم للهجرة غير الشرعية والتي تضمنت دعم مقدر من دول الاتحاد الاوروبي للنظام السوداني للعمل كعميل بوليسي في المنطقة والتي دخلت الي حيز التنفيذ في مطلع هذا العام تقف شاهداً على ذلك. لكن معاداة القوى السياسية المعارضة والانعزال عن العملية السياسية الجارية في البلاد دون السعي للاستفادة من تناقضاتها واوجه القصور فيها للعمل على الخروج بأكبر مكاسب مادية وسياسية لشعبنا هو الدعم الاكبر الذي يمكن ان يقدمه اي تنظيم سوداني لنجاح مثل هذه الاطماع في الوصول الي اغراضها. ان مراكمة القوى الثورية باتجاه انجاز مهمة التحول الديمقراطي في السودان يتطلب الابتعاد عن الاستفزاز وعن اصدار احكام تسئ الي التنظيمات الجماهيرية الاقرب الي صفنا معركتنا على المدى الطويل من اجل التحرر الوطني الحقيقي سواء من قوى اقليمية عروبية او القوى العالمية والانحياز الي مصالح شعبنا الكلية في تحقيق دولة مواطنة ومساواة وعدالة اجتماعية لا تعلي راية لثقافة او هوية او اثنية على اخرى. (ان شعار تجميع القوى الثورية لا يتم تلقائيا ... اصلاح الخطأ في العمل الجماهيري ص 61) و (كذلك فان علينا محاربة الخط اليساري القائم على العزل والعجل والتبرم ... المرجع السابق ص 62).

No comments:

Post a Comment