Monday, 7 January 2019

لماذا يضرب الأطباء يا ضياء ؟


لماذا يضرب الأطباء يا ضياء ؟

د. أمجد فريد الطيب 

عضو نقابة اطباء السودان 


(١)

كتب السيد ضياء الدين بلال رئيس تحرير السوداني، مقالا طويلا حكى فيه عن زيارته لمريض في مستشفى حكومي فوجد من مدير المستشفى ان الأطباء اغلبهم في إضراب. مقال ضياء عبارة عن مرافعة يتهم فيها الأطباء بجرثومة عدم الاخلاقية في إضرابهم الذي وصفه بانه سياسي. ويزعم ان نفس هؤلاء الأطباء لا يتغيبون عن اجنحة المستشفيات الخاصة، بما ينقل للمرضى ضرورة البحث عن مال للعلاج حتى يسقط النظام. ويلخص ضياء مقالته في ان الإضراب غير انساني وغير اخلاقي وان جرثومته تسربت للأطباء من النادي السياسي الذي يعاني شحا اخلاقيا مريعا بحسب تقييمه ويعتبر امن المواطن وصحته ومعاشه وسيلة لتحقيق المكاسب. ويدعي ضياء في نفس مقاله انه حتى في الدول الديمقراطية (المتقدمة كما وصفها) والتي تتيح حق الإضراب لا يضرب فيها الأطباء لأسباب سياسية. 


(٢)

حسناً، يبدو ان السيد ضياء لايفهم لماذا يضرب الأطباء وهو ما سأحاول افتراض حسن النية وتوضيحه له قدر استطاعتي، لكن الأدهى والأمر ان ضياء يدعي انه لا يفهم ماهية السياسة التي يرميها بألسِنة حداد، ويخلط بينها وبين ممارسات ساسة المؤتمر الوطني التي لا يمكن وصفها بغير الفساد، وهو الكاتب الصحفي السياسي لسنين طوال. فضياء يتعامل مع السياسة في مقاله كأنها مجال مفصول عن حياة الناس ومصالحهم وليست وسيلة الادارة المثلى لتحقيق هذه المصالح وخدمتها بما فيه الصالح الجمعي للناس. وضياء ليس غرا يافعا صغير السن، (وهولاء الغر اليفع وصغار السن هم في الشوارع الان يطالبون بحقوقهم الاساسية في وجه نظام غاشم يعتدي عليهم بكافة ادوات عنفه ووحشيته فيما لم يفتح الله على ضياء وصحيفته بكلمة في ذكرها ناهيك عن ادانتها) لم يرى من السودان سوى عهد الإنقاذ، لنفترض انه لا يعرف من السياسة سوى نموذج الفساد وسوء الادارة والسعي لخدمة المصالح الشخصية الذي يمارسه المؤتمر الوطني، وليس مقطوع الصِّلة بالعمل العام، لنفترض انه لا يعرف من السياسيين سوى سادة النظام الذي ما قدموا غير هذا النموذج الذي يسخر ادارة الدولة لمصالحهم وليس لمصالح الناس، ولا هو الرجل المشغول عن متابعة ما يجري في الدنيا والأخبار وهو رئيس التحرير البارز ليدعي انه لا يعرف ممارسة السياسة الراشدة في كل دول العالم الديمقراطية. ضياء يعرف أفضل من ذلك، ولكنه يدعي العكس. 

ضياء في الغالب يعلم الحقيقة البديهية ان بعض السياسة هو ادارة القطاع العام -ومن بينه القطاع الصحي- لخدمة الغالب الأعم من المواطنين ليس كخدمة تقدمها الدولة فحسب ولكن كحق للمواطنين دفعوا اجره للدولة في ضرائب وعوائد وقبول باحتكارها للعنف. وهذا الحق -في الصحة وفي بقية الخدمات الاجتماعية- هو استثمار طويل الأمد للامة والشعب في قوتها العاملة وصحة مواطنيها لتزيد إنتاجيتهم وبالتالي ثروات الدولة ورفاءها. هذا هو الأساس والهدف الرئيسي الذي يقوم عليه علم (السياسة الصحية ونظمه) يا ضياء، ولكن ما الذي يحدث في السودان، ويجعل الأطباء يضربون؟ 


(٣) 

يقسم الأطباء في بداية حياتهم العملية قسم ابوقراط والذي هو بصيغه المختلفة يمكن تلخيصه في مبدأين أساسيين: ان لا يقوم بفعل الطبيب اَي ضرر (Do No Harm) وان يقدم كل مساعدة ممكنة (provide all possible assistant). ولتنفيذ هذه الالتزامات يعمل الأطباء في مجال الطب الحديث من خلال أشراط النظام الصحي الذي يتكون من ستة مكونات (لبنات بناء) أساسية تلتزم بوضعها وإدارتها الجهة السياسية التي تدير الدولة (الحكومة يعني) وهي: ١) تقديم الخدمة؛ ٢)القوة العاملة الصحية؛ ٣)المعلومات والسجلات الطبية؛ ٤)توفر المنتجات الدوائية، واللقاحات والتقنيات؛ ٥)التمويل؛ ٦)والقيادة والحوكمة. وبدون الدخول في تفاصيل الشرح التفصيلي لماهية ومعنى كل واحد من هذه اللبنات، فالأطباء يشكلون جزءا من احد مكونات هذا النظام (القوة العاملة الصحية)، وتتضمن هذه اللبنة أيضا التزامات تطوير أداءهم وتدريبهم وتوفير المناخ المناسب لأدائهم لواجباتهم. فما الذي يحدث يا ترى في بقية هذه المكونات، يا ضياء؟


(٤) 

بشكل مرضي، (مريع أيضا) يتناقص صرف الدولة على النظام الصحي في السودان بما يؤثر على كافة أركانه ومكوناته. فقد خصصت ميزانية الدولة في عام ٢٠١٨ المنقضي مبلغ ٢ مليار ٩٤٢ مليونا لقطاع الصحة بكل مستشفياته وأدويته وكوادره وأجهزتهم ومستلزماتهم وغير ذلك، فيما خصصت نفس الميزانية ٢٣ مليارا و٨٨٨ مليون جنيه لقطاع الأمن والدفاع، بالإضافة إلى ١٠ مليارات و٧٠٥ ملايين إلى ما سمي بالنظام العام وشؤون السلامة، وبلغت ميزانية قوات الدعم السريع وحدها ٤ مليارات و١٧٠ مليون جنيه، اَي ما يقارب ضعف ميزانية الدولة المخصصة لصحة جميع السودانيين. فمن الذي لا يضع في أولوياته خدمة المواطن ورفاءه يا ضياء ؟! أليس هو الذي بيده القلم ؟

والمدهش في الامر، ان هذه الموازنة اعتمدت في ايراداتها بشكل اساسي على أخذ الأموال من المواطنين. فنسبة ٧٤٪ من ايرادات الموازنة السابقة كانت من الضرائب والرسوم المأخوذة من المواطنين، وهي المقرر لها ان تزيد هذا العام بنسبة ٥٠٪ بالنسبة للضرائب و٤٦٪ بالنسبة للإيرادات الجمركية وهو ما سيتسبب بدوره في ارتفاع اسعار كل شيء بدرجة اكبر. اَي بمعنى اوضح، ان الدولة تأخذ أموال المواطنين لتصرفها على نفسها وأمنها ومليشياتها وجيشها ودعمها السريع وقصرها الجمهوري ولا تعيدها لهم في شكل خدمات سواء في القطاع الصحي او غيره. هذه سياسة وسوء ادارة في السياسة كمان وليست اَي شيء اخر يا ضياء. والقاعدة الطبية الأولية التي يتعلمها الأطباء، ان اَي علاج فعال يودي للشفاء يجب أن يكون لمكمن الداء وليس لمجرد الأعراض. 

هذا فيما يخص التمويل، اما بالنسبة للقطاع الدوائي فلا احسب رئيس تحرير السوداني غافلا عن الازمة الدوائية الضاربة في البلاد والتي تسببت فيها سياسات الحكومة النقدية التي قادتنا الي هذا الانهيار الاقتصادي. حتى اصبحت أدوية منقذة للحياة مثل الاوكسيتوسين (السينتيسنون: وهو دواء يستخدم للولادة وهو منقذ للحياة لروحين الام والجنين) والانسولين (الذي يعتمد عليه مرضى السكري بشكل اساسي للحياة) ناهيك عن قائمة طويلة من المضادات الحيوية في الخط الاول والثاني للعلاج بل وحتى المحاليل الوريدية التي تشكل الخط الاول في اسعاف اي حالة طبية، معدومة بالكامل من السوق السوداني. وأدت محاولات الفهلوة الحكومية في معالجة هذه المشكلة لزيادة اسعار الأدوية بنسب تتراوح بين ١٠٠٪ الي ٣٠٠٪ حتى في تلك المصنعة محلياً مع استمرار الشح والانعدام. فكيف بالله عليك يا ضياء تتوقع من الأطباء ان يقوموا بالوفاء بأدوارهم في تقديم المساعدة وعدم فعل الضرر في هذه الظروف. وبالطبع فلن اتحدث عن مدى الانهيار في بقية مكونات النظام الصحي التي يغني فيها الحال عن السوال، ولا عن انعدام بقية مقومات لبنة الكادر البشري من تأهيل وتدريب ومراجع وغير ذلك والذي اصبح يعتمد على الاجتهاد الشخصي للطبيب لا غير. هذا هو بعض من الحال الذي يعمل فيه اطباء السودان يا ضياء. 


(٥) 

رمى ضياء من طرف خفي او لعله بائن الأطباء بالجشع المالي وأنهم لا يتغيبون عّن اجنحة مستشفيات القطاع الخاص. وأنهم يقولون للمرضى اذهبوا وتحصلوا على المال من اجل العلاج حتى سقوط النظام. وضياء هنا يقلب الآية تماما فحقيقة الامر ان النظام هو الذي يقول للناس ذلك. فهذا النظام الحاكم الان (نظام حزب الموتمر الوطني) كان اول من ادخل تحصيل الرسوم على الخدمة الصحية في مستشفيات القطاع العام في السودان في سنة ١٩٩١. قبل ذلك كانت هذه المستشفيات تقدم الخدمة والعلاج والدواء مجانا، اما الان فالمريض مطالب بدفع رسوم لدخول المستشفى، وشراء الدواء وفتح الملف وإجراء العمليات الجراحية بل حتى المحاليل الوريدية يطالب المريض بشراءها... الشيء المجاني الوحيد في المستشفى يا ضياء هو مقابلة الطبيب ... ولكن لن تستطيع ايضا مقابلته دون ان تدفع رسوم دخول المستشفى. وأضف الي ذلك ان التوجه الي الاستثمار في الصحة وخصخصة الخدمات الصحية هو التوجه الرسمي للدولة. وحين تنظر الي ان عدد المستشفيات الخاصة لم يتحاوز السبعة في كل السودان قبل عهد الإنقاذ وتنظر الي عددها الذي تجاوز ٣٥١ في الخرطوم وحدها في عام ٢٠٠٤ وما زال عددها يتزايد باطراد ... وبالرغم من ذلك تجد ان حجم القوة البشرية الصحية العاملة في القطاع الخاص لا يتجاوز ٩.٣٪ من القوة الصحية الكلية للبلاد. اكثر من ٩٠٪ من اطباء السودان يعملون في القطاع العام يا ضياء ... فعليه يصبح اتهامك هو من قبيل البهتان المبين.  ولكن النظر الي هذه الأرقام يجعلك تعرف من الذي يحول الصحة من حق للمواطن وواجب على الدولة واستثمار للامة في مستقبلها وقوتها العاملة... الي سلعة تباع وتشترى في سوق الله اكبر وتختلف في جودتها بحسب من يدفع اكثر او اقل. 

بالمناسبة... فان كل الأرقام الواردة فيما سبق هي من تقارير ووثائق حكومية منشورة علنا ولا تحتاج الي كثير من الجهد الصحفي من اجل التحصل عليها.

(٦) 

السياسة يا ضياء ليست عيباً حين تقوم باداء دورها في خدمة الناس وتحقيق مصالحهم. وما رميت به النادي السياسي السوداني من عدم اخلاقية ينطبق على سادة النظام الذي يسخرون موارد البلاد ومقدرات شعبها واهلها لمصالحهم الشخصية. فلعلك تناصحهم بقلم فصيح. اما بالنسبة للأطباء فان ما هو غير اخلاقي هو خداع الناس والكذب عليهم وما هو غير انساني بل يخالف قسمهم وشرف مهنتهم فهو القبول بهذا الوضع البائس الذي يتردى فيه النظام الصحي في السودان، والإيحاء الكاذب بامكانية تقديم اَي علاج فاعل او مساعدة حقيقية في ظل الأوضاع التي تحيط به. 


(٧) 

تم إرسال هذا المقال ايضا الي البريد الالكتروني لصحيفة السوداني التي يترأس تحريرها ضياء الدين بلال  alsudani2010@gmail.com والي البريد الخاص بضياء نفسه diaabilalr@gmail.com على أمل ان يلتزموا بقواعد وأخلاقيات المهنة الصحفية  ويقوموا بنشره في نفس الموقع الذي نشر فيه ضياء مقاله.

--
___________________
Amjed

Saturday, 22 December 2018

Understanding the Travail of Change in Sudan


Understanding the Travail of Change in Sudan


Amgad Fareid Eltayeb


Sudan revolts. Many people have read this short sentence many times in the past few years, but the fact is Sudan never stopped revolting since the coup of June 1989 that brought the ruling National Islamic Front party (later the National Congress Party; NCP) and the current president Omar El Bashir to power. The political struggle against the dictatorship of Bashir’s Islamic regime has never stopped for a day. The regime continued to use its tyrannical security apparatus to fight it, resulting in fuelling the civil war in the south further to end with separation of South Sudan as an only solution, yielding another war in the new South of the northern Sudanese country, and generating a new civil war in the western region of Darfur. These civil wars witnessed the worst types of violence against civilians, that included; the widest use of sexual violence in Darfur, burning and indiscriminate bombing of civilian villages, displacement of millions of Sudanese citizens and a very long list of war crimes that led Bashir to have the honour of infamously being the first sitting president to be wanted by the International Criminal Court.
In addition to these war crimes, the urban areas of Sudan saw wide range of human rights violations. The Gestapo-like National Intelligence and Security Service (NISS) of the ruling National Congress Party  (NCP) became a terrifying political tool of terror that is used Bashir’s regime to abduct, indefinitely detain, torture and kill political opponents with huge authorities and complete impunity for its agents. Expectedly, this was accompanied with an unprecedented spread of corruption in Sudan in light of the complete absence of the rule of law.
Fast forward to 2018, the demonstrators who stormed the streets of different Sudanese cities had a clear sight of the scene. The protests started in Atbra, a city well known for its labour movement history, on December 19. Other cities witnessed protests in the same day including; Qadaref, Nuhod, and Portsudan that was supposed to receive a presidential visit from Bashir in the same day. Protests extended to other cities in the following day; Dongla, Barbar, Sennar, Elobaid, and the capital Khartoum. The third day saw the spread of protests to almost everywhere in Sudan. Protesters were very focused on what and who is the reason behind their suffering. In most of the protesting cities, citizens marched collectively to burn the premises of the ruling National Congress Party. The ruling party’s center were not only symbols of tyranny and dictatorship, but also a kleptocratic symbol of the grand corruption encircling Sudan.
The protesters took up the streets, driven by the difficult living conditions and the economic crisis, where the inflation reached 160% with the full collapse of the value of local currency and a sharp rise in the prices of essential necessities exacerbated by the lack of liquidity in banks and market. However, this was merely a symptom of a political crisis of the first order.
The corruption in the corridors of the state relates directly and organically to the heads of the state and its extent and size are directly proportionate with the height in the hierarchy of power.  The giant cases of grand corruption that significantly influence the Sudanese economy are linked to high-ranking officials who are above the questioning of the law in the lawless state of Sudan.
Despite the structural deformity of the Sudanese economy that is inherited since the independence, which is seen in its dependence on exportation rather than production, which exacerbated by the Dutch Disease: “Increasing dependence on the export of one natural resource with neglecting the rest of economic sectors” during the years of oil exportation between 1998 to 2011, and the great shock that hit the Sudanese economy after the independence of the oil-rich South Sudan, but the current economic crisis is different. These economic uncertainties have created money-hungry nacropaths of those have limitless power and authority in Sudan, seeking to collect as much assets and money as possible to protect and maintain their privileges.
The current lack of liquidity that was exacerbated significantly by speculations on foreign exchange rates and the storage of currency by the influentials, which was something the Sudanese Prime Minister Moataz Mousa, complained of publicly. It was becoming obvious that the crisis is political in nature.
The corruption in the banking sector, fake credit and investment loans that are granted to senior members of the ruling party without adequate guarantees and without productive returns ... and other corrupt practices have led to the loss of confidence in the banking system by the citizens. The loss of confidence in the banking system was aggravated by the shortsighted decisions taken by the government to address the problem of liquidity by placing a very small daily withdrawal ceiling from personal bank accounts. Amounts that are not enough to meet the obligations of daily life in light of the rapid rise of prices, provoking people to store money in their homes instead of Banks, aggravating the impact of the liquidity scarcity and the corrupt practices of currency speculation. Untouchable influentials including members of the presidential family (which includes the prime minister himself who is the cousin of the president), senior members of the ruling party and high-ranking government officials use these practices to promote their social status and protect themselves in the case of any change in a very fluid political situation. Ignoring the fact that they are worsening their situation and rising the possibilities of change by aggravating the suffering of the people. A typical nacropathic behaviour. The anti-corruption tools and slogans have become part of the battle of settling personal accounts among the regime's masters, and have not reflected in any positive way on the Sudanese economy. This made statements by the new prime minister and his tweets (and Muataz Moussa is fond of the social media platform; Twitter in a Donald-Trumpian style), to a ridiculous farce, trying to suggest the possession of economic solutions to a problem that everyone knows it is political in nature.
On another note, the regime does not help himself by any mean by its refractoriness in dealing with the other aspects of the political crisis in Sudan. The ruling National Congress Party continues to manipulate and obstruct all opportunities for political solutions to end the civil war in its three volatile regions of Sudan (Darfur, South Kordofan and Blue Nile) and allow for a minimum openness that help reducing the political polarization in the country. Succeeding in that with the help of its new status with the international mediators who needs the regime to serve their different interests in the region. As well as the weakness of the opposition political forces that, the regime invested in their destruction over the years of his rule. Never the less, the NCP is digging its own grave with this attitude. These civil wars, political polarization and lack of democratic space keep it a permanent hostage to the bullying of foreign powers who uses it to perform the tasks they want, but only support it by the extent that keeps it hostage. Tyrants read from one book that does not teach them a simple lesson; the only guarantor of any ruler is his people, not foreign powers, whatever the degree of his service to them.
The National Congress and General Bashir have been in power for 30 years depending on the strength of their security services and their military militias to stay in power and suppress the opposition movement. They did not hesitate to arm and supply them and to create more diverse militias dedicated to protecting their power. They directed the budgets of health, education and other social services to be spent on what is generally called the sovereign and security sectors. Absurd expenses that consume more than two thirds of the public budget. This reluctance to direct public fund to social service sectors has made the economic crisis even worse on the poorest groups, which now face their fate in a legendary battle with no social protection net or any services from the public sector. Those people are the ones who are taking the streets now, driven by their will to live. They will not lose anything because the National Congress Party has left them nothing to lose, but everything to gain ... their freedom, security and decent living.
The regime still not recognizing this, and continue to depend on its security measures to address the crisis. The death toll of protesters reached several tens in three days of protesting. Live ammunitions are being used heavily in the different cities of the country. The scenario of September 2013 protests, when the security forces killed over 200 protesters in the streets who were demonstrating for similar reasons is likely. The NCP masters who seem to learn nothing from it celebrated this massacre as a success in putting out demonstrations. Security solutions won’t work and never did. However, with the national wide political fatigue another terrifying scenario emerges: an internal coup within the NCP. The chief of NISS; Salah Quosh, who returned to his position in the beginning of this year after the humiliating expulsion in 2012 and even his detention and accusation of planning a coup, publicly blamed the cabinet on the economic crisis and how it dealt with the protests. Quosh ambition to succeed Bashir is not a secret and was the reason for his expulsion in 2011. However, he is not the only one with such ambitions. Old-guard Islamists are also looking forward for the throne. The Islamists hardliner group headed by the previous presidential aide Nafie Ali Nafie, who disagreed on Bashir’s will to rerun for 2020 elections as NCP candidate for presidency, are prepared for a battle. Unrest within the army also creates potentials for a Sisi’s style coup d'etat. What is terrifying in all these scenarios is that it will not provide any solutions, and keep the same kelptocracy in power with some superficial changes on hierarchy. Hence, people suffering will continue with the replacement of an old fatigued dictator with a fresh euthanistic one. Let alone, the most terrifying possibilities of blood bath in Khartoum resulting from the clash between the numerous militias of the NCP; the Rapid Support Forces, the Security Forces and Army, whose allegiances are scattered among the different wings of Islamists and will have to pick a side in such scenario.  People and normal citizens will also be part of such clash. Those who are sacrificing their life in the streets now will not accept being a silent watcher.
The only peaceful way to end this would be for the NCP to understand and see that its game is over. It is time to hand over power to a broad national political alliance and face the consequences of 30 years of corruption and mismanagement instead of taking the country in such dangerous pathways. What is happening now in Sudan is the labor of a complete comprehensive change ... a genuine revolution born of the suffering of a patient people. The only objective of any sane politician should be to end this suffering.

Tuesday, 11 December 2018

ما يحدث في السودان

 

الازمة الاقتصادية مهما تفاقمت واشتدت لن تؤدي الي ثورة تغيير دون انجاز واجبات العمل السياسي. ما قد يحدث جراء خطاب الدعوات المجانية للتظاهر والحراك بدون الاستعداد لها هو دفع البلاد باتجاه هاوية خطيرة من العنف والقتل المجاني على يد المليشيات التي تملأ العاصمة والمدن. سيقول قائل ان هذه المليشيات مارست العنف لسنوات طويلة في أطراف البلاد المختلفة وهذا الصحيح، ولكنه ليس مبررا على الاطلاق لاتاحة الفرصة لها لارتكاب مجازر جديدة. 

واجبات العمل السياسي الجماهيري، لا يمكن إنجازها بين يوم وليلة ولا على طريقة دفن الليل اب كراعا برا. ويجب ان نتعلم من اخطائنا السابقة، فمهما كان مقدار الشجاعة والنبل وبريق المجد الذي احاط بما حدث جراءها من ثورات مجهضة، فان الثمن كان باهظا بما لا يقاس. 

المعارضة السياسية في السودان تدفع الان ويجب ان تدفع ثمن تقاعسها عن اداء واجبات كثيرة في ميقاتها الصحيحة، وثمن ترفعها عن خوض المعارك الصغيرة للارتباط بالجماهير وخلق تراكم يسمح لها بالقفز الي معركة كبرى في ميقات ملائم مثل هذا الميقات. عجزنا ليس في العامل الموضوعي، بل في العامل الذاتي. هناك ازمة ينبغي ان تلتفت اليها قوى المعارضة الان وتشرع في حلها، ازمة في التواصل بين القوى السياسية وبين غمار الناس، يجب ان تعمل المعارضة على خلق قيادات حركية بين الناس العاديين ليعملوا كحركة وصل عضوية فيما بينهم وبين الخطاب السياسي العام، وهناك ازمة اخرى في العلاقة بين القوى السياسية وبعضها البعض، وازمة ثالثة في ادوات التنظيم وهياكله ومستويات انتشاره. ومدى التنظيم المتوفر والمطلوب في المستويات التي يحتاجها سيناريو التغيير عبر العمل الجماهيري الاحتجاجي. وهناك ازمة اخرى وهي كبرى الأثافي في تحليل المعارضة لطبيعة النظام والقوى المؤثرة فيها والتي تحركه... سواء ان كانت أيدولوجية إسلامية ام عسكرتاريا ام مجموعات فساد ومستفيدين (كليبتوقراطية)، ام مزيج من كل ذلك ام انها ديكتاتورية رجل واحد اصبح الجميع يتصارعون على من يتقرب منه... وكذلك المعارضة بحوجة لمعرفة وتحليل مدى التغيير الاجتماعي الذي احدثته سنين هذا النظام في المجتمع السوداني لتفكر في خياراتها العملية والعملياتية قبل ان تقفز في الظلام.

 لا احد يمكنه ان يجزم بإجابة قاطعة وحده... فهذا يتطلب تضافر عقول المعارضة وتبادلها للآراء والمعلومات (وتحصلها على المعلومات الحقيقية في المقام الاول وهذه ازمة اخرى تفشل فيها المعارضة بركونها الي التحليل الرغبوي وخطاب الأماني لتطمين الذات). وهذه الواجبات او التحديات لا يجب ان تؤخذ على انها ترف فكري او سياسي، بل هي ضرورية ولازمة لنجاح اَي تحرك تعقد عليه المعارضة العزم سواء ان كان سياسيا او جماهيريا. وهو ضروري ايضا لتقليل كلفة الدم السوداني الذي سيراق مجانا في حالة القفز الي مغامرة مواجهة غير متحسبة لمواطن الضعف الذاتية... 

وليحفظ الله السودان وأهل السودان

Wednesday, 14 November 2018

ثلاثة أسئلة وإجابات مقترحة بشأن ما يجري من امر التسوية السياسية!


ثلاثة أسئلة وإجابات مقترحة بشأن ما يجري من امر التسوية السياسية!

د. أمجد فريد الطيب

بشكل عملي، تجري مسارات متسارعة على ارض الواقع ومن قبل عدة جهات نحو فرض تسوية سياسية فوقية، تنهي وضعية وتوتر اللا حرب واللا سلم المستمرة في المناطق الثلاث (دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان/جبال النوبة)، وتخلق تغييرات جزئية محدودة جدا في معادلة السلطة، بما يعكس توازن الضعف السائد في البلاد. المؤتمر الوطني (حزب الرجل الواحد) يشتري في هذه الصفقة فترة انتقالية جديدة طويلة تخرجه من مأزق انتهاء الدورات الانتخابية للبشير، وتضمن له الاستمرار في مقعد الرئاسة لفترة انتقالية لمدة تتراوح بين ٥ سنوات الي عشرة سنوات على الاقل، من دون وجع راس انتخابات او غيره وبعدها يكون (صفر العداد) ولو مد الله في الاعمار يلاعب الشعب السوداني (انتخابات انتخابات تاني). وبالإضافة الي ذلك يحصل المؤتمر الوطني على تذكرة لبوابة دخوله للانفتاح على المجتمع الدولي الذي أصبح يحتاجه كعضو راشد في (الاسرة الدولية) يقوم بخدمة مصالح مهمة. ويدفع مهر ذلك رشاوي سياسية تتمثل في مناصب سيادية -من غير سيادة- ولكنها غير فاعلة عمليا وغير ذات جدوى حقيقية في تنفيذ اَي تدخلات ذات أثر إيجابي على حياة الناس في السودان، في ظل استمرار سيادة منهج وسياسات المؤتمر الوطني في الإمساك بمفاصل الأمور في السودان، خصوصا بعد تجديدها في النسخة المعتزوغوبلزية الحالية. معتز رئيس الوزراء ذات نفسه -وهو ليس مقارنة ببقية السودانيين اجمعين فحسب بل هو ليس حتى أكثر الاسلاميين تأهيلا لتولي هذا المنصب- دلالة على ذلك... فالشاهد ان مؤهله الوحيد لتولي هذا المنصب هو قربه او بالأصح قرابته لعائلة الرئيس البشير الذي أصبح من الواضح انه يريد فرد من الاسرة في دائرة صناعة القرار السياسي ويمكن الاعتماد عليه كبديل رئاسي محتمل في حالة فشل خطط استمرار البشير لحماية الاسرة ومصالحها.

وبالطبع فان ما يحدث يثير (او يجب ان يثير) ثلاثة أسئلة رئيسية.

الاول: هل يمكن بفعالية واقعية مقاومة هذه الاتجاهات المتسارعة والعمل على خلق نموذج بديل لحل سياسي أكثر ارتباطا بحياة الناس ...

الإجابة الواقعية المؤسفة ... هو انه لا... وذلك لعدة اسباب!
الاول ان التدخل الدولي لإيقاف حالة اللا حرب واللا سلم تجاوز مرحلة التوسط العنين الذي كانت تقوم به الآلية الافريقية، ليصل الي مرحلة الضغوط المباشرة على حركات المقاومة المسلحة. هذه الضغوط لم تبدأ اليوم... فالولايات المتحدة الامريكية مثلا ومنذ نهايات ٢٠١٦ تُمارس ضغط اشبه بالابتزاز على الحركة الشعبية بعد ان رفضت الاخيرة مقترحها الذي تمت تسميته بمقترح توصيل المساعدات الانسانية... والحقيقة ان المقترح الذي رفضته الحركة الشعبية حينها لم يكن مقترح متكامل لتوصيل مساعدات انسانية تشمل ما يحتاجه أهالي المنطقتين فعلا... بل كان لتوصيل ما تم تسميته بمساعدات طبية محدودة (اَي ولله مكتوب كدا مساعدات طبية محدودة) ويتم توصيلها عبر سوبرمان ال USAid دون طرح اَي ضمانات او تصور عملي ... وقد اخطأت الحركة الشعبية حينها عندما جعلت رفضها حينئذ متعلق بشكلنيات الجانب العملياتي من الطرح، والنقاش حول نقاط الدخول والخروج والاجلاء والي ما غير ذلك، بدون مناقشة واقعية تنفيذ وفعالية ذاك العرض اصلا... فالحقيقة ان وكالة المساعدة الامريكية USAid لا تستطيع اصلا تنفيذ ما كان مطروحا من واقع حداثة وضعف مكتبها وأدواتها اللوجستية في الخرطوم (وهو مكتبهم الذي كان مقترحا لتنفيذ العملية والإشراف عليها) بالإضافة الي ان حوجة أهالي المنطقتين ليست للمساعدة الطبية المحدودة ( والتي كانت متوفرة الي حد ما عبر جهود المتطوعين والمنظمات المدنية الدولية وغيرها)، ولكنهم يحتاجون الي الغذاء والتعليم وغير ذلك من ادوات كسر الحصار التجويعي الذي تفرضه عليهم الحكومة... وهو الامر الذي دفع الأمريكان، ومن خلفهم وبين أيديهم المجتمع الدولي مؤخرا للتراجع عن طرحهم ذاك واستعراض طرح جديد لإيصال المساعدات وإدارة العملية الانسانية عبر منظمة الغذاء العالمي WFP التي تملك القدرة اللوجستية والمعرفة العملية لإدارة مثل هذه العملية. وهو ما تمت الموافقة عليه من كافة الأطراف.... فما هو معقول هو بالضرورة مقبول على حد تعبير الامام ابن رشد. وكذلك اخطأت الحركة الشعبية مرة اخرى عندما تركت تفاصيل العرض الامريكي في السر بدلا من عرض هذا العرض المعيب شكلا وموضوعا حينها على الشعب السوداني. وهو ما منح الحكومة واخرين كثر من بينهم المبعوث الامريكي السابق للسودان (والأخير بعد الغاء المنصب في عهد ادارة ترامب)، والذي اختار ان يجعل اخر أعماله الدبلوماسية هو توجيه إهانات واتهامات مفتوحة لكافة اطياف المعارضة السودانية غضبا من رفض عرضه السري حينها، فرص للمزايدة على موقفها من (توصيل المساعدات الانسانية). المهم انع بعد ذلك الرفض الإجرائي، بدأت الولايات المتحدة في ممارسة الضغط والابتزاز والتدخل السافر ضد الحركة الشعبية ونداء السودان والمعارضة السودانية ككل. (لتساهم في تعميق انقسام الاول، وتضغط على الثاني للقبول بأطروحاتها التقسيمية للمشكلة والانهزامية للمؤتمر الوطني، وتواصل نشر دعاية عدم فعالية الاجماع الوطني والدعوة لتحجيمه). ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لعبوا ادوار مشابهة بأوزان مختلفة في أوقات مختلفة أيضا.
الجديد في هذه الضغوط هو دخول لاعبين إقليميين الي الساحة ... أبرزهم حكومة جنوب السودان التي ترتبط بعلاقات قوية بكافة اطياف المعارضة المسلحة، الي درجة الا تستطيع لمطلبها رفضا... وجنوب حكومة سيلفا الان يحتاج ليس الي رد تحية وساطة السلامة لحكومة البشير فحسب، ولكنه يحتاج أيضا الي إيقاف الحرب في المناطق الحدودية بين دولتي الجنوب والشمال ليضمن انسياب تصدير البترول بشكل سلس... وهو ما ينهي اَي عمق استراتيجي للنضال المسلح تحتاجه الحركة الشعبية لمواصلة القتال في تلك المناطق المغلقة بين الدولتين. ذلك ناهيك عن التغييرات الإقليمية الرامية الي الاستقرار في اثيوبيا واريتريا والتي تأخذ حدود النيل الأزرق مع اثيوبيا خارج المعادلة تماما خصوصا مع التداخلات الخليجية (الاماراتية والسعودية) التي تنظر باهتمام الي امن البحر الأحمر والفوائد الاقتصادية لموانيه بما يجعلها لا تتردد عن دعم اَو الضغط من اجل اي تقارب للحكومة سوداني مع الدولتين. وعلى جانب اخر فقد اثرت المتغيرات الإقليمية في ليبيا وأفريقيا الوسطى وتشاد الي حد ما على فعالية عمل حركات المقاومة المسلحة في دارفور... وكذلك نجح النشاط الدبلوماسي المحموم للحكومة السودانية في نشر نزعة (إرهاق دارفور Darfur Fatigue)، الي الدرجة التي حدت بالمنظمة الأممية للبدء بشكل فاعل في سحب بعثة السلام الدولية يوناميد، وبدعم كبير من الدول الغربية والأوروبية على وجه الخصوص التي تستعمل الحكومة السودانية ملف الهجرة عبر أراضيها (والذي تستخدم فيه نفس ميليشياتها المقاتلة في دارفور (الدعم السريع) للسيطرة عليها) لابتزازهم بفعالية دبلوماسية عالية. على جانب اخر من المشهد، اثرت الانقسامات الكبيرة في صفوف المقاومة المدنية بين قوى الاجماع ونداء السودان على فعاليتها النضالية، بالإضافة الي عدم تعاملها المسبق بالجدية اللازمة مع العمل الجماهيري في فترات نهوضه (بين ٢٠١١ و٢٠١٣) مما ادى الي فقدان الثقة الجماهيرية في تنظيماتها الرسمية بشكل كبير. هذه الصورة القاتمة يزيد من سوءتها وضع الازمة المعيشية الذي يعيشه المواطن. والذي يعتبر انعكاس مباشر لسياسات الحكومة في رفع يدها عن مسئولياتها العامة وتركيزها على الصرف الأمني والعسكري للمحافظة على وجودها برغم الأزمات... هذه الازمة المعيشية مقروءة في ضوء فقدان الثقة في المعارضة المدنية المنقسمة على نفسها والغارقة حتى شحمة أذنها في خطاب السياسة الفوقية الذي لا يطرح حلول قاعدية مباشرة لقضايا الناس الحياتية اليومية، بالإضافة الي العنف المفرط الذي تم استخدامه في قمع هبة سبتمبر ٢٠١٣، كلها أدت الي تقليل احتمالات نجاح المعارضة في التغيير عبر الاحتجاج المدني الجماهيري، وهو ما ادى بدوره الي تقليل اسهمها في طرح او الوقوف في وجه او تعطيل اَي تسوية مطروحة على الساحة. خصوصا انها تركت قضية المناطق المتأثرة بالحرب (وهي القضية الأكثر اشتعالا في اذهان الوسطاء الدوليين)، قضية حصرية للحركات المسلحة دون ان تعمل على وضعها في مكانها الطبيعي كأولوية مقدمة لعملها السياسي، بما جعل التوسط والتفاوض حول قضايا تلك المناطق يتم مع الحركات فقط وحسب مقدار قوتها العسكرية وليس مطالبها وقضاياها السياسية.

السؤال الأساسي الثاني
هو هل ستحقق هذه التسوية اَي فوائد حقيقية للشعب السوداني او لعملية التغيير الديموقراطي في البلاد ...!
الإجابة المباشرة والمؤسفة هي أيضا لا!

هذه التسويات المتعددة لا تخرج كلها من عباءة الإقرار الامر الواقع، ولن تحوي في ذاتها -بفرضية استمرار إنتاجها عبر المناهج السياسية السائدة حاليا- اَي فوائد إيجابية لأهل السودان. هذه التسويات المطروحة لن تخرج عن كونها تسويات سياسية فوقية تدخلها الحكومة وهي محملة بزكائب لا تنتهي من الرشى السياسية لتوزعها على الجميع الا من ابى، وعسى ان يقر في خاطر مفاوضي المعارضة ان يأبوا جميعا. الشيء الإيجابي الوحيد الذي قد يتحقق جراها هو وقف حالة الحرب -او وقف حالة اللا سلم- السائدة في الأطراف. وحتى هذا الوقف للحرب فهو سيتم بتسويات عسكرية يحكمها توازن القوى على الارض وضغوط الوسطاء الدوليين والإقليميين، ولن يتم بحل الجذور الحقيقية التي أدت للحرب في المقام الاول... سيتطلب ذلك الحل الجذري عملية سياسية معافاة وذات امد سياسي اطول من نفس التسويات السياسية سريعة الطبخ. وأخطر ما يمكن ان يحدث فيها هو ان تلوح الحكومة من زكائب رشاها السياسية بكروت مثل تقرير المصير تكسر بها رافعة سقف تفاوض الطرف الاخر. فالنظام حقيقة لا تعنيه وحدة السودان ولا عدالة توزيع الموارد فيه خصوصا على الأقاليم الأكثر فقرا... وربما يرى أحد متذاكيه ان التخلص السلس من (عبء) هذه الأطراف قد يكون أفضل من الاحتفاظ بها والدخول في خشونة مزالق تنميتها وتحقيق عدالة توزيع الموارد وحقوق المواطنة فيها.


السؤال الثالث وهو الأهم على الاطلاق ... هو سؤال الرفيق اليتش، ما العمل؟

ان الإجابة الصحيحة على سؤال ما العمل في الوضع الحالي، يتطلب منا الرجوع الي بديهيات أساسية في العمل السياسي، اولها ان العمل السياسي ليس تفريغا لضغائن ولا سعيا وراء رغائب... بل هو تحليل الوقائع الملموسة من اجل الخلوص الي مدى الإمكانيات المتوفرة واستخدامها لتحقيق أكبر قدر من المصلحة العامة للجماهير التي يرغب السياسي في خدمة مصالحها. والشاهد الان ان القوى السياسية الوطنية كلها تدرك وتعيش حجم الازمة المعيشية الخانقة التي يعيشها الشعب السوداني في المركز والأطراف، والتي تنتهك حقوقه الاساسية في الحياة والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتمتهن كرامته وإنسانيته وحاضره ومستقبله في اليوم ألف مرة. والتبرير هنا بان ما يحدث هو من فعائل النظام وان كان يرضي الذات ويريح الضمير السياسي فهو لا يجدي من واجبات العمل شيئا... فالنظام هو العدو الذي نحاربه ونناضل ضده ولا أظن ان احدا ينتظر منه ان يفض بنفسه خيط مغزله الذي نسج منه حبل مشنقة لشعبنا ... وإلا ففيما التضحيات الجسام التي ما فتئت تقدمها قوى المعارضة كل حين؟! المحك هو ما الذي ستفعله -او يجب ان تفعله- القوى الوطنية المعارضة لتحقيق واجب الخدمة العامة الذي امتهنت من اجله العمل السياسي فِي ظل وقوعنا أسري لتسوية اضطرارية مفروضة بحسابات لا نملك لها من الواقع دفعا؟

اهم ما يجب فعله هو رفض الرشى السياسية التي ستأتي محملة بزكائبها وفود تفاوض المؤتمر الوطني. هذه الرشى التي سيتم تسميتها بمعادلات قسمة السلطة، ستكون محض عطايا مزين لا تسمن بسلطة ولا تغني بسياسة. ولن تكون سوى وظائف ادارية مختومة بوسم قابيل الذي رسمته جرائم ثلاثين عاما من القمع والقهر والفساد والاستبداد. ما يجب ان يركز عليه التفاوض مع المؤتمر الوطني لا يجب ان يكون هذه الرشاوي منزوعة الدسم، مهما تم منحها من بريق الاسماء اللامعة، بل ينبغي ان يتركز في أمرين: الاول هو تحقيق مكاسب مادية لبنى تحتية حقيقية في المناطق المتأثرة بالحرب: على وفود تفاوض الحركات المسلحة الاهتمام بإعداد كتاب مطالبهم القاعدية عن كم مدرسة يجب بناءها في تلك المناطق، كم مستشفى ومركز صحي يجب إنشاءه، كم كيلومتر من الطرق يجب رصفه وسفلتته، كم فدان يجب استصلاحه وتمليكه للمواطنين المتضررين، كم منزل وقرية ومدينة يجب اعادة بناءهم وتأهيلهم، كم طفل يجب إلحاقه بالتعليم النظامي بعد انقطاع ستة أعوام او تزيد، وكم الذين يجب تطعيمهم ضد أمراض الطفولة، كم من المواطنين يجب تعويضهم بقدر ماذا بشكل مباشر وماهية وطبيعة التعويضات غير المباشرة للآخرين المتضررين من الحرب... الي اخر القائمة الطويلة الممكنة من المطالَب القاعدية التي ستحملكم شعوبكم فوق رؤوسها لو نجحتم في انتزاعها من براثن النظام ثمنا لحرب وحروب تطاولت امادها. هذه الحقوق الاساسية والطبيعية في زمننا وعالمنا المعاصر اليوم، يجب تحقيقها بأعجل ما يكون لمواطني الأطراف المتأثرة بالحرب. ولابد من التخلص من وهم ان تلك المناصب الكرتونية -او بقايا الجيوش المتصالحة أيضا- يمكن لها ان تكون ضامناً لتطبيق التزامات الاتفاقيات المبرمة. فترة نيفاشا الانتقالية اثبتت خطل هذا الافتراض. فهذه المناصب تجعل أصحابها جزءا لا يتجزأ من الدولة التي تديرها سياسات المؤتمر الوطني وتسيطر عليها وتجعلهم جزءا عضويا من آلية اتخاذ قرار لا يتحكمون في صناعته. والجيوش المتصالحة تخضع بقوانين العسكرية لقياداتها المدمجة او تكون خارج دائرة الفعل السياسي رهينة للقرار الصعب بالعودة الي الحرب، وهي الوسيلة التي اثبتت مرارا وتكرارا محدودية قدرتها على إنجاز واجبات التغيير الايجابي. الضامن الوحيد والأكبر والأكثر فعالية لتحقيق المخرجات المناطقية من هذه الاتفاقيات هو الالتفاف الشعبي والجماهيري حولها، وهذا لا يتحقق بدون منح الجماهير ما تريده وتحتاجه عاجلا ... ان يكون ثمن الحرب هو مكاسب مادية مباشرة لمواطن المناطق المتأثرة بها وليس مجرد تعديلات في هياكل السياسة الفوقية. وايضاً فهذه المكاسب إن تحققت ولو بشكل جزئي هي التي ستمنح الحركات السياسية المسلحة القاعدة الجماهيرية التي تحتاجها في مرحلة ما بعد الحرب. فالناس هم ذخيرة سلاح السياسة المدنية التي تعود اليها الحركات المسلحة، وهي لو تم الاعتناء بنا كما يجب لهي أكثر مضاءا وفعالية بما لا يقاس من رصاص البندقية. الامر الثاني الذي يجب ان يكون إنجيلا لمفاوضي الحركات، هو الحرص على فرض مساحات معقولة وحقيقية من الانفتاح في الوضع السياسي، تسمح لهم بمواصلة العمل السياسي بين الناس في الميدان الجديد، خصوصا لو استطاعوا تحقيق المكاسب السابقة. فتح الفرص لميدان تنافس سياسي مدني هو الأمل الوحيد في عملية تغيير مستقبلية طويلة الأمد. وهو ما يجب ان تحرص عليه وتدعمه التنظيمات السياسية المدنية أيضا. انفتاح هذه المساحات السياسية وضمانها سيسمح بمراقبة سياسية فاعلة للأداء الحكومي في مجالات الاقتصاد، والحقوق، والخدمات العامة وغيرها... وهو ما تحتاجه المعارضة بكافة فصائلها لجمع قاعدتها الجماهيرية حولها وتحسين وتطوير أداءها... ولا يتطلب ذلك مناصب تنفيذية على الاطلاق. وبالطبع ستبقى قضايا العدالة والمحاسبة وحقوق الضحايا من القضايا المؤرقة التي يجب مخاطباتها بحلول مرضية للضحايا أنفسهم ولذويهم في ذاتهم وليس لمن ينوبون عنهم أيا كانوا... وهي المعادلة التي تتطلب من القوى السياسية وضعها في البال وفِي الخطاب السياسي على الدوام في صياغة اَي بيئة معافاة للعمل السياسي.

ان أسوأ ما قد يفعله اَي سياسي على الاطلاق، هو الكذب على شعبه او محاولة تضليله بطرح الخطاب الرغبوي الذي قد يصفق له المستمعون ولكن لا يستطيعه السياسي... الصدق مع الشعب فيما يريده ويستطيعه السياسي هو الفضيلة الوحيدة التي قد تنجيه من التهلكة. شاهدنا ما يحدث جراء التضليل والكذب ومداعبة المشاعر بدلا عن مخاطبة العقول مرارا في التاريخ السوداني... بل وحتى على صعيد العالم المعاصر شاهدنا نتائج التضليل والكذب السياسي في ارتفاع نعرات الشعبوية والقومية حول العالم من انتخاب ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وحتى سيطرة اليمين المتطرف على المسرح السياسي في الغرب. ان أفضل ضمان لمخرجات عملية سياسية هو ان تجري كافة تفاصيلها تحت الضوء وفِي العلن... يحرسها الشعب ويسدد خطاها. وما قدرية سيزيف التسوية القادمة برغم انف امال شعبنا الا نتيجة لمسلك سياسي خاطئ اعتاد الحديث بلسانين أحدهما للغرف المغلقة واخر لوسائط الاعلام وأغراض التعبئة. السودانيون يستحقون أفضل من هذا.


Sunday, 4 November 2018

عاصم عمر تحت التعذيب: زوال جهاز الدولة في السودان!

عاصم عمر تحت التعذيب: زوال جهاز الدولة في السودان!

#SaveAsimOmer
#StopTortureInSudan

عاصم عمر طالب سوداني في جامعة الخرطوم) أقدم وأكبر الجامعات السودانية، وهو أيضا عضو في حزب المؤتمر السوداني المعارض.

في أبريل 2016 ، برزت الأخبار حول نوايا الحكومة لبيع أراضي الجامعة التي تقع في وسط العاصمة على مقربة من جميع خطوط المواصلات العامة وفي موقع متميز على ضفاف النيل، وتخصيصها للاستثمار ونقل الحرم الجامعي إلى موقع طرفي في أقصى جنوب الخرطوم. هذه الأخبار أثارت حنق الطلاب. نظم طلاب جامعة الخرطوم أنفسهم في لجنة لمقاومة هذا القرار ، بديلا لاتحاد الطلاب الغائب منذ سنوات بسبب قرار إداري / سياسي من إدارة الجامعة. نظم الطلاب عددا من الاعتصامات والمظاهرات لشجب نوايا البيع والاستثمار في أراضي الجامعة ونجحت جهودهم في وقف بيع الجامعة ومبانيها. وبالمقابل، رد جهاز أمن الدولة بالمثل.

احتجز جهاز الأمن والمخابرات الوطني (NISS) عددًا من قادة الطلاب. وتم اعتقال بعضهم من داخل ممكتب المحامي الذي كانوا يجتمعون معه لمناقشة الخيارات القانونية لمواجهة قرار إدارة الجامعة بإبعادهم عن الدراسة بسبب نشاطهم في مقاومة اتجاهات البيع. في 5 مايو 2016 ، اقتحمت مجموعة من عملاء جهاز الامن مكتب نبيل أديب (المحامي السوداني البارز في مجال حقوق الإنسان) لاعتقال حوالي 20 طالبًا كانوا يجتمعون مع نبيل كمحامٍ لهم. أمضى هؤلاء الطلاب عدة أسابيع في الاعتقال الأمني دون توجيه اَي تهمة ضدهم وبدون الحصول على أي نوع من المساعدة القانونية. وفي نهاية المطاف ، قام جهاز الأمن والمخابرات الوطني بإطلاق سراحهم ، وتراجعت الجامعة عن قرار فضلهم، وتم صرف النظر عن نوايا البيع كليًا.
عاصم عمر لم يحالفه مثل هذا الحظ!

تم القبض على عاصم عمر (المولود عام 1994) من قبل الشرطة بينما كان في طريقه خارج الجامعة في الثاني من مايو 2016. وقد اتهم عاصم بالقتل العمد بموجب المادة 130 من القانون الجنائي السوداني. وقالت الشرطة إنه شوهد يرمي عبوة مولوتوف تسببت لاحقا في مقتل أحد أفراد شرطة مكافحة الشغب.

كل هذا جيد وطبيعي! ومن المفترض أن يكون جزءا من عملية قانونية عادلة ومستحقة، لكن القصة لم تنته هنا.

في سبتمبر 2017 ، تم الحكم على عاصم بالإعدام في انتهاك للقانون الجنائي السوداني نفسه. حيث لا ينص القانون الجنائي على عقوبة الإعدام إلا في حالة القتل العمد. وهو الامر الذي يتناقض مع الرواية الرسمية للشرطة التي ذكرت أن ضابط الشرطة قد قُتل خلال مواجهة بين الطلاب والشرطة لم يكن مخططًا لها مسبقا، كما يتناقض مع حقيقة عدم وجود أي سابقة معرفة بين عاصم والشرطي المتوفى. وهو ما ينفي التعمد والنية الإجرامية المخطط لها والمسبقة ، والمطلوبة للحكم بالإعدام بموجب كلمات القانون الجنائي السوداني.

المحاكمة نفسها كانت شائهة للغاية. فالى جانب الإجراءات الطويلة التي استغرقت حوالي سنة كاملة، قام القاضي بطرد المدعي العام في القضية لأنه وجده يمرر  إجابات الأسئلة الي أحد الشهود وهو على المنصة. وقد تم اكتشاف هذا المشهد الفاضح بواسطة المدعى عليه نفسه، عندما رأى المدعي العام يمرر أوراقًا إلى الشاهد الذي كان على المنصة. عندما أبلغ عاصم القاضي وأمر القاضي النيابة بتسليم أوراقه، وجد أنه كان يغذي الشاهد بشهادته ويكتب له (الإجابات النموذجية) لإدانة عاصم. كان هذا التلاعب في الإجراءات والتلاعب بالشهود وحده كافياً لشطبالقضية. ومع ذلك ، قرر القاضي وقف الجلسة وإيقاف جلسات المحاكمة لأشهر قضاها عاصم في السجن ، قبل أن يعود للحكم على عاصم بعقوبة الإعدام في سبتمبر 2017.

بعد عام ، في أغسطس 2018 ، ألغت المحكمة العليا في السودان هذا الحكم  وقررت إعادة القضية إلى المحكمة المختصة. ولكن لم تُحضر سلطات السجن أو الشرطة المتهم عاصم إلى الجلسة الأولى للمحاكمة الجديدة. وعندما طلب محاموه وعائلته زيارته، وجدوا أنه قد تعرض للتعذيب الشديد وتم وضعه في الحبس الانفرادي لأسابيع. وقد وجد أنه يعاني من جروح بالغة نتيجة للتعذيب تشمل: فقدان السمع في أذنه اليمنى بسبب تمزق في طبلة الأذن ، وإصابات في خصيتيه ، وجروح عميقة في ذراعيه وساقيه ، وعدم القدرة على البلع أو الأكل، وضعف في العصب السابع (الوجه). كانت هذه من نتائج الضرب بالعصي والأدوات الحديدية بواسطة خمسة من أفراد القوات الرسمية! في الأسبوع الماضي ، قرر طبيب السجن عملية جراحية عاجلة لعاصم ولكن تم تأجليها لاحقا بسبب الالتهاب الشديد الذي يعاني منه عاصم ، وفقا لبيان الطبيب.

أنا شخصياً قابلت عاصم في السجن خلال آخر فترة اعتقال سياسي في مطلع هذا العام. كان سلوك الشاب سلوكًا نموذجيًا للناشط الاجتماعي الذي لا يتوقف عن الخدمة المجتمعية العامة. عندما رأيته في أبريل  2018 ، كان عاصم في زنازين المنتظرين للإعدام  وسيقانه مكبلة بالأغلال الحديدية. ومع ذلك ، كان يجتهد في محو الأمية بين السجناء الأميين وتعليمهم القراءة والكتابة. وجد عاصم لنفسه هدفا وقضية وكرس لها وقته في السجن بينما كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام. كان سلوك عاصم اي شيء غير ان يستحق مثل هذه المعاملة من سلطات السجن.

قضية عاصم ليست مجرد قضية حقوق إنسان ، ولكنها أيضاً تكشف عن الزوال التام لجهاز الدولة في السودان. حيث يستخدم الحزب الحاكم والحكومة قضية عاصم والتهديد بإعدامه كرهينة سياسيةللضغط على حزبه والمعارضةه بشكل عام. كما أنهم يستخدمون قضيته كفزاعة لقمع الحركة الطلابية وتخويفها. وبهذا، يفقد القضاء والشرطة وجميع اجهزة الدولة ووكالات تنفيذ القانون والمحافظة عليه، حيادهم المفترض ليصبحوا مجرد أدوات سياسية لخدمة الأجندة السياسية للحزب الحاكم.

إن قضية عاصم عمر تكشف حقيقة أنه لا توجد دولة في السودان ، لا قانون ، ولا شيء على الإطلاق باستثناء التلاعب الفاشستي بهذه الكلمات من قبل نظام الرئيس عمر البشير.



Saturday, 3 November 2018

جحيم الخيارات الشخصية: عن هجرة الدراجين السودانيين


جحيم الخيارات الشخصية
عن  هجرة الدراجين السودانيين

اثارت حادثة تخلف اثنين من الدراجين السودانيين الشباب بعد سباق دراجات في فرنسا، بغرض طلب اللجوء السياسي، غضب كثير من المعلقين في أوساط التواصل الاجتماعي... والذي صبوا جان غضبهم على فعلة هؤلاء الدراجين باعتبارها تحد من فرص الرياضيين السودانيين في الذهاب الي فرنسا وتقلل فرص الشباب السودانيين في الحصول على فيزا دخول والي اخر ذلك من الاعتبارات المتأثرة بشكل مباشر بحالة كراهية الاخر وكراهية المهاجرين التي انتشرت في أوروبا والغرب عموما موخرا. 

كل هذه الاعتبارات حقيقة لا تساوي الحبر والزمن ألذي اهدر في كتاباتها لانها تتماهى بشكل ميكانيكي مع الجلاد في قمعه لحقوق الضحايا. حق التنقل وحرية الحركة وحرية الانسان في اختيار مكان إقامته هي بعض من حقوق الانسان الاساسية التي مهرها الغرب بختمه في ميثاق حقوق الانسان العالمي بعد الحرب العالمية الثانية وفرضها على بقية العالم، عندما كانت معركته مع المعسكر الشرقي في أوجها، وكان يستخدم هذه الحقوق التي جعلها مطلقة كأحد آليات الدعاية والهيمنة واجتذاب المهاجرين الهاربين من جحيم الدول الدائرة في معسكر الاتحاد السوفيتي الي جنات نعيم دول الناتو. حينها جعلت الدول الغربية العظمي حقوق اللجوء والانتقال حقوق مطلقة تحتفي بها ايما احتفاء. 

موخرا، وفِي خضم أزمات النيوليبرالية المتزايدة، برز الخطاب الشعوبي بشدة رافعا راية كراهية المهاجرين واللاجئين والتخويف من الاخر، باعتباره خطاب مجاني وسهل الانتشار ولا يحتاج سوى لمخاطبة الغرائز البدائية بدلا من السياسات التي تخاطب العقول... ليسود في دوائر اليمين الاوروبي ويتوسل به سلما الي السلطة، والدعم الشعبي المستند الي غريزة الخوف من الاخر. 

دفعت هذه الدوائر في اتجاهات تصعيب تأشيرات الدخول الي دولها، وتصعيب اجراءات الإقامة والهجرة واللجوء المستحق. مستندة بالاساس الي دفوعات باطلة وكاذبة وتزوير للحقائق ... 

هذه الخيارات هي خيارات شخصية تماما ومن حق اَي احد ان يختارها... وهي ليست خيارات سهلة بل هي خيارات صعبة جدا وتتطلب بدء حياة جديدة كاملة من البدء ومواجهة مصاعب التأقلم في مجتمع جديد... 
ان محاولة صلب هؤلاء الشباب هي ليست سوى تماهي كامل مع الجلاد ومساعدته على انتهاك حقوق الناس ولا يوجد اَي أساس اخلاقي لها.
--

___________________
Amjed

Thursday, 1 November 2018

Asim Omer Under Torture: The Demise of The State Apparatus in Sudan!

Asim Omer Under Torture: The Demise of The State Apparatus in Sudan!


#SaveAsimOmer
#StopTortureInSudan

Asim Omer is a Sudanese student in University of Khartoum (UoK); the oldest and largest of Sudanese universities, who is also a member of the Sudanese Congress Party of the opposition.

In April 2016, news came out about the intentions of the government to sell the lands of the university -that is situated in the centre of the capital in close proximity to all transportation lines and in a picturesque location on the banks of the Nile - for investment and relocate the campus to a peripheral location in the far south of Khartoum. These news provoked the students. UoK students organised themselves in a committee -replacing the student union that has been absent for years by administrative/political decision from the university management- and strongly opposed these intended directions. Students organized several sit-ins and demonstrations denouncing these intentions. Their efforts succeeded in stopping the selling of the university and its premises. However, the state security apparatus responded in kind.

Sudan National Intelligence and Security Service (NISS) detained number of the students leaders. Some of them were arrested from inside the premises of their lawyer office, whom they were meeting with to discuss the legal options to counter the decision of the university management to dismiss them from studying for their activism in resisting the selling directions. On May 5th, 2016, group of NISS agents stormed the office of Nabil Adib (the Sudanese prominent human rights lawyer) to arrest around 20 students whom were meeting Nabil as their lawyer. Those students spent several weeks in security detention without being charged by anything and without access to any sort of legal aid. Ultimately, NISS released them, and the university retreated their dismissal and the selling intentions were totally denied and backed away of.
Asim Omer was not that lucky.

Asim Omer (who was born in 1994) was arrested by the police while he was in his way outside the university in the second of May 2016. Asim was charged with premeditated murder under Article 130 of the Sudanese Criminal Code. The police said, Asim was seen throwing a vial of Molotov that later caused the death of a member of the riot police.

All this is well and good! It is supposed to be a due legal process, However the story did not end here.

In September 2017, Asim was sentenced to death in violation of the Sudanese Criminal Act itself. The criminal act provides for only in the case of premeditated murder, which contradicts the official story of the police that stated the police officer was killed during a confrontation between students and the police which was not planned for (premeditated) in advance. It also contradicts the fact of the lack of any previous knowledge between Asim and the deceased policeman. This alone precludes planned or premeditated, criminal intent that are required for the death sentencing by the words of the Sudanese Criminal Act.

The trial itself was very shady at best. Beside its lengthy procedures that took over a year, the judge dismissed the prosecutor in the case because he was found feeding answers to one of the witnesses. This scandalous scene was spotted by the defendant himself, when he saw the prosecutor passing pieces of papers to the witness who was on the podium. When Asim notified the judge and the judge ordered the prosecutor to hand over his papers, it was found that the prosecutor was feeding the witness with his testimony and writing him the (model answers) to condemn Asim. These manipulations of procedures and witness tampering were alone enough to dismiss the case. However, the judge decided to stop the session and stopped the trial hearings for months which Asim spent in prison, before coming back to sentence Asim to death penalty in September 2017.

A year later, in August 2018, the High Court in Sudan nullified this sentence and decided to return the case to the court of jurisdiction. However, Asim was not brought by the prison authorities or the police to the first session of the new trial. When his lawyers and family asked to visit him, they found him badly tortured and was put in solitary detention for weeks. He was found suffering from severe injuries resulting of torture that include: loss of hearing in his right ear due to rupture of his eardrum, injuries in his testicles, deep wounds in his arms and legs, inability to swallow or ear, and weakness in the seventh (facial) nerve. These were results of beating with sticks and iron tools by five in-uniform agents! Last week, the prison doctor decided an urgent surgical operation for Asim which was then postponed due severe inflammation that Asim has, according to the doctor's statement.

I personally met Asim in prison during my last political detention. The behaviour of the young man was a model behaviour of a social activist who does not stop public serving. When I saw him in April 2018, he was in the death raw and was leg-cuffed with iron shackles. Nevertheless, he was working to eradicate illiteracy among illiterate prisoners and teaches them to read and write. He found a cause and devoted his time to it in the prison while waiting for the execution of the wrong sentence of death. Asim behaviour was anything but deserving such treatment from the prison authorities.

Asim case is not just a human right case, but it also reveals the total demise of the state apparatus in Sudan. The government ruling party is using Asim and the threat of hanging him as a hostage to pressure his party and opposition in general. They are also using his case as a scarecrow to suppress the student activism movement, flagging with the 30 months Asim spent in prison and the death sentence around his neck to scare student activists and their families. And for this, the judiciary, the police, all state agencies and the las enforcing and preservation agencies lose their supposed neutrality to become mere political tools to serve the political agenda of the ruling party.

The case of Asim Omer reveals the fact that there is no state in Sudan, no law, and nothing at all but the fascist manipulation of these terms by the regime of Omer Al-Bashir.

Tuesday, 7 August 2018

لماذا تفشل المعارضة السودانية في صناعة التغيير السياسي في السودان؟

لماذا تفشل المعارضة السودانية في صناعة التغيير السياسي في السودان؟


د. أمجد فريد الطيب 


منذ استقلال الجنوب وعلى مدى السنوات السبع الماضية، مرت حركة المقاومة السياسية بمراحل عديدة من المد والجزر. تمثلت ابرز مراحل مدها في انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣، والحراك الذي سبقها في يونيو / يوليو ٢٠١٢. فيما دخل الحراك المقاوم في ركود عميق في الفترة الاخيرة، بالرغم من استمرار وتزايد  انسداد أفاق الوصول الي حل السياسي. في يناير ٢٠١٨ دعى الحزب الشيوعي الي حراك جماهيري في رد فعل على ميزانية الحكومة المجازة لعام ٢٠١٨، وهو الحراك الذي نجح في تحريك الشارع بشكل محدود ولكن لم يترتب على ذلك الحراك اَي نتائج سياسية ذات عائد إيجابي على عملية التغيير، على الأقل حتى الان. 


لهذا الركود أسباب عدة، منها انشغال منظومات المقاومة من احزاب سياسية وحركات مسلحة ومنظومات مدنية -بمختلف ضروبها- بمعضلات وهموم السياسة الفوقية، وأبرزها سيطرة هدف ضرورة وحدة المعارضة في تحالف تنظيمي واحد على افئدة الجميع. ولعل هذا الانشغال بمهام السياسة الفوقية كان هو ما اقعد الأحزاب السياسية المعارضة بالأساس عن دورها الجماهيري، ومنح الحركات السياسية والاجتماعية الجديدة ومنظومات المقاومة المدنية والقاعدية المطلبية المختلفة المبرر والدافع للوجود بشكل لم يستطع حتى النظام الاعتراض عليه او مواجهته بشكل قانوني، ببساطة لانها كانت تمتلك المبرر الاجتماعي للتخلق والوجود. ولكن ما حدث في ٢٠١٤ وعقابيلها كان ان انشغلت اغلب هذه المنظومات (القديمة والجديدة) عن دوافع وواجبات وجودها الاساسية وانساقت وراء هدف توحيد قوى المعارضة. وقد كان لذلك أسباب ربما بدت وجاهتها في ذلك الحين، ولكن النظر للخلف من مربع الان يكشف ان الأثر الأبلغ لهذا الانشغال تمثل في فقدان الفعالية السياسية لكثير من هذه المنظومات بشكل كبير بالاضافة الي افتراع ساحات جديدة للمعارك السياسية في التحالفات الوليدة، والتي أصبحت هي نفسها نقاط تقسيم وتشظي للحركة السياسية بالاختلافات الناشئة حول تكتيكات العمل السياسي. 


أيضا نجح النظام الحاكم منذ يناير ٢٠١٤، في الانتقال الي مربع ان يصبح فعله السياسي هو المؤثر الأبرز والأساسي في الساحة السياسية، وليس الأزمات السياسية التي يمر بها وتقتات عليها تحركات المعارضة/المقاومة، والتي كانت ثانوية ومحض ردود افعال تفتقر الي الرؤية الاستراتيجية والأهداف طويلة الأمد او لا تستند على تراكم عمل وتخطيط مسبق في اغلب الأحيان في كلا المرحلتين. فعلى سبيل المثال، كانت دعوة حوار الوثبة الذي طرحه البشير هي نقطة التحول التي أدت الي كثير من المتغيرات العامة والتي استفاد منها النظام بشكل أساسي. حيث تغيرت بعدها مواقف المجتمع الدولي عموما بشكل واضح باتجاه الدفع بشكل من أشكال التسوية السياسية في السودان، بالاضافة الي تشجعه للانفتاح في العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوداني واستيعابه بشكل ما في الاسرة الدولية. وكانت ابرز مظاهر ذلك التغيير المرتبطة بدعوة الحوار، تغيير مهام الآلية الرفيعة التابعة للاتحاد الأفريقي من مجرد التوسط في النزاعات المسلحة في السودان الي تكليفها بالإشراف على الحوار الوطني في السودان. وهو التكليف الذي قبلت به اغلب اطياف المعارضة السودانية وأبدت حينها استعدادها للانخراط مع الآلية الافريقية فيه، ولكن ما حدث بعد ذلك كان الاختلاف حول التفاصيل الفنية وشكل الحوار الذي يرغب فيه كل جانب من أطراف الصراع السوداني، وحول الشكل الذي تطرحه او تستطيع طرحه الآلية الافريقية (ما عرف حينها بخارطة الطريق)، وهو الأمر الذي ادى لاحقا الي انقسام المعارضة وتشتت جمع تحالفاتها في الاختلاف حول هذه الخارطة. ولاحقا لعبت الدوائر السياسية المعنية في أوساط المجتمع الدولي دورا اكبر في تشتيت جمع قوى المعارضة وتنظيماتها، حيث كان لعب المقترح الامريكي لايصال مساعدات (طبية) انسانية محدودة لمناطق الحرب في جنوب كردفان عبر الخرطوم وتحت إشراف أمريكي -والذي تم طرحه بشكل موازي ومنفصل عن مائدة الحوار الافريقية التي ارتضتها الفصائل السياسية السودانية- كمدخل للتفاوض الثنائي حول وقف الحرب في المنطقتين، وهو ما رفضته قيادة الحركة الشعبية آنذاك لعدم واقعية بعض تفاصيله وعدم شموليته، متمسكة بأطروحة الحل الشامل، دورا أساسياً في إشعال النزاع الذي ادى الي انقسام الحركة الشعبية بين فصيلي عبدالعزيز الحلو الذي يطرح مطالب إقليمية خاصة بالمنطقتين، وعقار الذي يتمسك برؤية حل هذه القضايا في إطار الحل الشامل لقضية التحول الديموقراطي في السودان. 


  ولكن الأساسي في هذا الاستعراض هو ان النظام استطاع فرض فعله السياسي ووجوده في المعادلة كالمحرك الأساسي للمتغيرات السياسية وهو الامر الذي دعم بشدة قوته ووجوده السياسيين.


بشكل مطرد، استطاع النظام زيادة أهميته الدبلوماسية وتسويق اهمية وجوده للقوى العالمية والإقليمية التي كانت بدأت بالفعل في الانفتاح عليه. وذلك عبر انخراطه في اداء ادوار إقليمية وعالمية قد لا تتفق ولا تتصل بشكل مباشر مع المصالح الوطنية السودانية، مثل انخراطه في خطة مكافحة الهجرة الي أوروبا المعروفة باسم عملية الخرطوم، او تعاونه المستمر مع الدوائر الاستخبارية الامريكية والغربية عموما فيما عرف بمكافحة الاٍرهاب، بالاضافة الي انخراطه في الارتزاق العسكري بشكل فاضح في حرب اليمن، وتقلبات مواقفه في الموقف من سد النهضة والذي يشكل أهمية تنموية استراتيجية بالنسبة لاثيوبيا ومعضلة سياسية استراتيجية بالنسبة لمصر. وعمل النظام أيضا كسمسار للعلاقات الدولية في خلق علاقات دبلوماسية واستقطاب الدعم لدول أفريقية مثل يوغندا وإثيوبيا من دول الخليج الثرية (السعودية والإمارات على وجه الخصوص)، وغير ذلك. مما جعل وجود واستمرار نظام البشير هو خيار مفضل يسهل التعامل معه والضغط عليه وابتزازه لخدمة مصالح قوى إقليمية في الخليج والقرن الأفريقي وقوى عالمية في أوروبا وأمريكا. وهو ما استفاد منه أيضا في تقوية وجوده السياسي كأمر واقع إيجابي بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية بشكل اكبر. 


وفي ذات الحين الذي كان النظام يعضد فيه من وضعه السياسي، استمر الضعف ينخر في جدران عمل المعارضة. حيث ضربت الخلافات السياسية بتحالف نداء السودان الذي اعتمدته المعارضة منصة لوحدتها والتي بذلت من اجلها الغالي والنفيس وصاحب ذلك انقسام موازي في صفوف قوى الاجماع الوطني الذي غادرته التنظيمات التي اختارت كنصة تحالف نداء السودان. واستمرت المعارضة في مزايدة ضعفها عبر الغرق في الخلافات حول تكتيكات إسقاط النظام (دون وجود تعريف واضح لما يعنيه هذا الشعار) وتبادل اتهامات الكسل والتخوين. الشاهد ان الامر انتهى مرة اخرى الي تشتت أطراف المعارضة وفقدان كثير من تنظيمات المقاومة التي انخرطت في جهود توحيدها لفعاليتها السياسية والقاعدية. 


بالرغم من كل ذلك، استمرت تنظيمات المعارضة والمقاومة المختلفة في انكار حقيقة ان النظام قوي ومتماسك وقادر على تجاوز ازماته السياسية بفعالية، بالاستناد الي مظاهر الأزمة الاقتصادية ومحاولة تحريك واثارة الجماهير عبرها. وذلك بالاستمرار في ترديد فرضية ان النظام على وشك الانهيار. وبالتأكيد فان النظام يعاني من أزمات داخلية متزايدة، ابرزها الصراع الداخلي حول المناصب وعلى رأسها مقعد الرئاسة، بالاضافة الي صراعات تصفية الحسابات على مستويات متعددة داخل الحزب الحاكم، إلا ان المصالح تجمع بين فرقاء النظام  بشكل اكبر، واولها رغبتهم الغريزية في الحفاظ على بقاء نظامهم، مع بروز بعض مطالب التغيير الشكلي، من المبعدين والمبتعدين عن دائرة صنع القرار داخل النظام، ولكنها لا ترقى الي ان تتعارض مع الإبقاء على جوهر النظام. 


اما المرتكز النظري المبني على فرضية الانهيار الوشيك للنظام، فيحوي عدة اخطاء في التحليل وما يترتب عليه من خطوط سياسية يمكن إجمالها فيما يلي: 


  • اول اخطاء المعارضة مبعثه فهم شمولي راسخ في مجتمعاتنا لمتغيرات الاجتماع والسياسة، يربط بين الحق وبين القوة. هذا المفهوم الراسخ يدفع قوى المعارضة/المقاومة المختلفة للاستمرار على الدوام في وصم النظام بالضعف والانهيار الوشيك. وتهويل حجم ازماته حقا وباطلا للتدليل على هذا الانهيار المرتقب. ثم تصديق هذا الزعم والبناء عليه. غير ان قوة النظام لا تعني انه على حق، والاعتراف بقوته لا يقود بالضرورة الي التسليم ببقاء النظام او الاستسلام له. بل ان هذا الاعتراف هو المدخل الاول والوحيد لتلمس خطى الصواب في معرفة كيف نقاوم النظام الحاكم وننتصر عليه. فرضية ضعف النظام وتدهوره مستندة الي فرضيات جزئية خاطئة -كما سيتم استعراضه ادناه- والاخطر انها تقود الي مواجهات غير ناضجة ودون اعداد عملي وسياسي كافي، لا ينتج عنها سوى زيادة احباط الجماهير ومفاقمة أزمة فقدان الثقة في آليات العمل الجماهيري. 
  • فرضية ضعف النظام وانهياره مستندة في بنيانها على الأزمة الاقتصادية المعيشية. وتستبطن الفرضية ان هذه الأزمة هي مهدد كبير للنظام وستودي الي انهياره. وهذا التحليل يستند -شكليا ودون تمحيص كافي- الي تجربة انتفاضة مارس/ابريل ١٩٨٥ حين ادى -بحسب طارحي هذه الفرضية- سوء الوضع المعيشي الي خروج الجماهير في مظاهرات واسعة أسقطت النظام الديكتاتوري الحاكم حينها. هذا التحليل خاطئ تماما وفِي شقين: تناوله للازمة الاقتصادية وتناوله لطبيعة النظام (كما هو خاطئ أيضا في التشبيه التاريخي بظرف انتفاضة مارس / ابريل والقوى المؤثرة فيها والعمل من اجل التحضير لها فيما لا مجال للخوض فيه في هذا المقال ولكنه يطرح علينا واجب لاحق لتحليل اخر لظروف وأدوات صناعة التغيير الديمقراطي في السودان). نظام المؤتمر الوطني الحاكم حاليا يتبنى اقتصاد السوق الحر الرأسمالي بشكل كامل وغير مستتر. والطبقة الحاكمة -بالوكالة- هي طبقة رجال الاعمال وتجار او مجتمع السوق، والحكومة الحالية تقوم بخدمة مصالحهم بصورة مباشرة. وهذه الطبقة لا تعاني ولا تتضرر من الحالة التي تم تسميتها بالأزمة الاقتصادية الراهنة، بل هي تساهم في صناعتها وتستفيد وتكسب منها. وبينما يعمد البعض الي الافتراض النيوليبرالي المستورد من الغرب والذي يقول بان تحرير السوق يمشي جنبا الي جنبا مع زيادة المساحات السياسية الديمقراطية. كان اول من طرح فرضية هذه العلاقة بشكل سببي هو صمويل هنتجتون "صاحب كتاب "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، الذي ربط فيه بين الاطروحات والنظم السياسية السائدة في مناطق مختلفة من العالم وبين القيم الحضارية للشعوب، ملمحا الي الديمقراطية التعددية هي منجز خاص بما اسماه بالحضارة الغربية وقد لا يكون ملائما لحضارات الشعوب الاخرى، في مقاله المنشور بدورية هارفارد للأوضاع العالمية في صيف ١٩٩٢، والمعنون باسم:  التحرير الاقتصادي وصناعة الديمقراطية: كيف يمكن ان يتطور العالم:Liberalization and Democratization: How the World  Can Modernize، وكما عزز هذا الربط لاحقاً الاقتصادي البريطاني جون وليامسون، حين ربط بين الديمقراطية ومبادئ اجماع واشنطون Washington Consensus، التي كان قد صاغها في عام ١٩٨٩ وتبنتها المنظومات النقدية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها كوصفة للتنمية على النموذج النيوليبرالي، في مقاله الديمقراطية وإجماع واشنطون المنشور بدورية تنمية العالم في عام ١٩٩٣، كما اعتبر استاذ السياسة في جامعة أوكسفورد أيان ماكلين هذا الارتباط السببي من قبيل المسلمات في أطروحته المنشورة عام ١٩٩٤: التحرير الاقتصادي والديمقراطية: أيهما الدجاجة وأيهما البيضة :Democratization and economic liberalization: Which is the chicken and which is the egg? . وبشكل متسارع أصبحت هذه الفرضية هي احدى الركائز الاساسية التي يعتمد عليها الغرب في نشر الديمقراطية على نموذجه المثال) غير ان هذا الافتراض خاطئ تماما وغير سليم في واقعنا السوداني وفِي دول الجنوب العالمي الأقل تطورا على وجه العموم. حيث ان طبقة رجال الاعمال او ما يمكن ان نسميه بطبقة مجتمع السوق "Business Community" الحالية في بلادنا، هي طبقة محافظة بطبيعة تكوينها  وطبيعة عملها المستند على التجارة والاستيراد والبيع المباشر، ولا توجد لديها مطالب سياسية محلية متعلقة بتخفيض رسوم عمليات ومدخلات الانتاج مثلا لأنها لا تقوم بالإنتاج اصلا. اما بقية الرسوم الحكومية مثل الضرائب والعوائد والجمارك وغيرها، فهذه تحلها لها حقيقة ان الحكومة هي اكبر مشتري من السوق المحلي -خذ مثال السيارات، او القمح، او اَي سلعة مستوردة اخرى وستجد ان الحكومة هي اكبر مشتري مواظب على هذه السلع- وبالتالي فان الزيادات الحكومية على السلع يدفعها مجتمع السوق باليمين ويضع تكلفتها على قيمة السلع المباعة للحكومة ليستردها مرة اخرى باليسار، بينما يحافظ هو على هامش ربحه. وبطبيعة الحال، لا تستفيد الحكومة من هذه الزيادة في ظل استمرار صرفها البذخي وتضخم حجم اداراتها المترهلة، التي تمنعها من تقليل هذا الصرف، بالاضافة الي الصرف المتزايد على الرشى والترضيات السياسية الموجهة لصناعة التسويات الشكلانية التي تسمح لها بالاستمرار على سدة السلطة بدلا عن مناهج الحكم الراشد. ولا يتضرر من الزيادة المطردة في أسعار السلع غير المواطن والذي هو مشتري وزبون ثانوي بالنسبة للسوق السوداني، بحيث لا يشكل رضاءه أو التنافس عليه هاجسا للمؤسسة الرأسمالية المحلية. وايضا ادى سيادة هذا النمط الاقتصادي، الي ظهور وانتعاش مجالات جديدة للانشطة الاقتصادية الطفيلية مثل السمسرة والخدمات غير المرتبطة بالإنتاج (المعدوم اصلا) والتي تهدف الي تقليل التكاليف وتقليل الموظفين من خلال اقتصاديات اعادة التوجيه والاعتماد على الموارد الخارجية (Outsourcing economy)، -وهو الامر الذي وصل الي مرحلة تراجيدوكوميدية في ظهور تجارة الشيكات البنكية التي تعجز البنوك عن صرفها لعدم وجود سيولة! فيقوم احد سماسرة التبييض بشرائها نقدا باقل من قيمتها الفعلية مقابل ايداعها في حسابه البنكي الذي يستخدمه لإجراء معاملة بنكية اخرى قد تكون حكومية او سوقية... بالتحويل البنكي دون الحوجة الي سيولة نقدية، مع هامش ربح يكسبه بتقليل قيمة الشيك الأصلي المدفوع لصاحبه). وهو ما يزيد من الفئات المستفيدة والمتنفعة بشكل مباشر وغير مباشر من استمرار النمط الاقتصادي الحالي والوضع السياسي الذي يحافظ عليه. وبما سبق، لا يحتاج مجتمع السوق في السودان الي اعتناق اَي مطالب سياسية محلية تدعم تغيير تركيبة الوضع السياسي الحالي باي شكل في ظل استمرار قدرته على العمل والربح. وعليه فان شعار الأزمة المعيشية برغم من صوابه فهو لا يهزم نظام الموتمر الوطني الحاكم سياسيا. حيث ان هذه الأزمة هي نتاج طبيعي لنجاح سياسات الحزب الحاكم... والغريب بالنسبة لوجوده هو ان لا تكون هناك أزمة معيشية او غلاء أسعار. 
  • مطالب الديمقراطية وحقوق الانسان واتاحة الحريات، هي مطالب سياسية سليمة وتعبر عن حقوق لا جدال حولها، ولكنها تبقى مطالب صفوية للنخب السياسية والحضرية، والتي لم تستطع ترجمتها لمخاطبة الواقع اليومي لبقية فئات الشعب. وغالبية هذه الفئات أصبحت تعاني من مشاكل اكثر مباشرة  وإلحاحا من هذه المطالَب الفوقية على أهميتها. هذه المطالَب -ومطلب غلاء المعيشة أيضا- هي مطالب اكثر تعلقا بالطبقتين الوسطى والعليا وهي الطبقات المعنية بالتغيير السياسي بشكله الفوقي. وهي القادرة أيضا على صناعة التغيير بشكله الانتفاضي المستوحى من تجربتي مارس/ابريل ٨٥ وأكتوبر ٦٤، حيث انها تستند الي تراكم مالي يوفر لها غطاء حماية اجتماعية يسمح لأفرادها بالتظاهر والإضراب لعدة ايّام دون ان يتأثر او يتضرر نسقها الحياتي بشكل كبير. هذه الرفاهية الحضرية -اذا صح التعبير- اصبح يفتقد اليها الغالبية -٧٥ الي ٩٠ في المئة- من الشعب السوداني الذي يعيش تحت خط الفقر، ويعتمد على الدخل اليومي من العمل اليومي الذي لا يتحمل الانقطاع. وهذه أيضا هي احد مظاهر قوة النظام وضعف طرح المعارضة والتي اعتمدت التغيير الجماهيري عبر بناء كتلة حرجة من الجماهير الثائرة دون اختيار الشعارات الصحيحة والبسيطة والمباشرة والتي تخاطب قضايا اوسع كتلة من هؤلاء الجماهير. 
  • كذلك فان اطروحات المعارضة فيما تعدده عن سوءات النظام ومخازيه السياسية وانتهاكاته وخلاف ذلك، هي اطروحات محلية. لا تعني بقية العالم في شيء ولن يقوم بالتوقف عن التعامل مع النظام او مقاطعته وتضييق الخناق عليه بسببها. وغير ذلك، فان هذه الانتهاكات بالنسبة للمجتمع الدولي هي من طبيعة النظام الشمولي الحاكم، وعليه فان حدوثها هو من طبائع الأشياء بالسبة للمجتمع الدولي والذي لا يمانع في وجود مثل هذا النظام على شموليته ما دام يخدم مصالحه في الإقليم والعالم وداخل البلاد. فيصبح ترديد هذه المظالم هو مجرد واجب مكرور. وصحيح انه لا يمكن الاستغناء او التخلي عنه وتركه لأنه يحقق -وحقق مرارا بالفعل- مكاسب حقوقية جزئية في قضايا فردية وموقتة مثل اطلاق سراح معتقلين او إيقاف تعذيبهم او غير ذلك، لكن لا يمكن ولا ينبغي التعويل عليه في صناعة تغيير جذري ذو اثر باقي او طويل الأمد، او اكتساب حلفاء دوليين في المعركة ضد النظام. الطريق الوحيد الي اكتساب مثل هؤلاء الحلفاء يمر عبر تقديم سياسات وحلول بديلة لعمالة النظام المطلقة في القضايا المشتعلة في الإقليم وفِي العالم، وهو ما تزال تعجز عنه المعارضة السودانية بشكل يجعل بقية العالم لا ينظر ولا يتعامل معها بجدية. فالعالم يتعامل مع مصالحه واهتماماته فحسب ولا يمارس السياسة بشكل خيري. ولا يتطلب ذلك من المعارضة تبني مواقف متماهية مع مواقف القوى الدولية -مثلما فعلت قوى تحالف نداء السودان بلا وعي منها حين استخدمت اكثر من مرة مصطلح الهجرة غير الشرعية الذي يجتهد الاتحاد الاوروبي لتسويقه من اجل تجريم حالات اللجوء الإنساني ودفع حدوده جنوبا بعيدا عن وصول المهاجرين والهاربين الي أراضيه- بل ان المواقف التي ستكون فعلا جديرة بالاحترام والتعامل الإيجابي والجاد معها ستكون تلك المتعلقة والمبنية على الأجندات الوطنية السودانية، والتي تسعى لمخاطبة قضايا الإقليم والعالم من خلال منظور المصلحة الوطنية السودانية. اَي موقف متكامل من هذه القضايا سيجبر العالم على التعامل معه، ولكن ما لا يمكن اخذه بجدية على الاطلاق، هو عدم وجود هذه المواقف تماما.
  • نقطة اخرى مرتبطة بطرح وخطاب المقاومة  في معارضة النظام هو انها تستند بالكامل على منهج "الشكية" وطرح المشاكل دون طرح حلول او خيارات حلول عملية لما يمكن ان تقدمه لحل مشاكل المواطن عند تغيير السلطة السياسية وبعد إسقاط النظام. وهذا ما جعل شعار إسقاط النظام شعار مجرد من مضمونه وفاقد للسند الجماهيري الشعبي عند الجماهير غير المرتبطة بالسياسي اليومي، ويحدث ذلك على الرغم من تضجرها الواضح من النظام الحاكم والوضع السياسي عموما. وما يجري على شعار إسقاط النظام يجري على شعارات اخرى مثل إيقاف الحرب، والجبهة العريضة للمقاومة... الخ. وهي شعارات برغم صوابها فقدت لكثرة ترديدها دون وجود تراجم مادية لها فيما يتعلق بمطالب وقضايا الجماهير المباشرة في الريف ومناطق الحرب والحضر صدى حيويتها في اذان الناس. 
  • احد اكبر النواقص التي يمكن ان نصفها في كتاب خلل العمل السياسي للمعارضة السودانية، هو في تعاملها مع قضية الحرب. حيث ظلت المعارضة الحضرية من احزاب وتنظيمات مدنية (كما تطلق على نفسها) تتعامل مع قضية الحرب وتطالب بوقفها من منظور تأثيرها الاقتصادي وما يبتلعه الصرف العسكري والأمني من الميزانية، مقابل مقارنة ذلك بما يصرف على قطاعات الخدمات العامة من تعليم وصحة وغيرها، وهي خدمات متركزة بشكل اساسي في المدن والمناطق الحضرية. ودافعها لذلك هو تبسيط قضية الحرب وتأثيراتها لجمهورها المديني، دون وضع اعتبار في احيان كثيرة لكون ان المتضررين بهذه الحرب هم أيضا مواطنون سودانيون يستحقون الدفاع عنهم وعن مصالحهم ومطالبهم بشكل اصيل وليس مجرد ناتج ثانوي. وعلى الجانب الاخر ظلت تنظيمات المقاومة المسلحة، تتعامل مع قضية الحرب كشأن خاص بها وحدها (بالرغم من انها ترفع مطالب قومية متعلقة بإعادة تركيب الدولة السودانية على حد نصوص وثائقها)، وتتعامل مع المواطنين السودانيين في المناطق المتأثرة بالحرب كجمهور (حكر) خاص بها وحدها وهي وحدها التي تحتكر تمثيله وتمثيل مصالحه وتحتكر الحديث باسمه وعنه. ودافعها الي ذلك هو استنادها بشكل أساسي الي التركيبة الاثنية الخاصة بالأقاليم التي تشتعل فيها الحرب، واعتمادها على تصنيف كل الاخر الاثني كعدو، بما يساعدها في خلق الرابطة العاطفية بين جمهورها وبين اجهزة تنظيماتها السياسية. ولعل عدم وجود اطروحات لقضايا التنمية والعدالة في تلك الأقاليم عند الأحزاب والتنظيمات المدنية هو ما جعلها أيضا تسلم بمثل هذه التقسيمة وتركن اليها كسلا عن واجب الاجتهاد لتطوير اطروحات تخاطب هؤلاء المواطنين السوادنيين، او تقاعسا عن مواجهة مطلوبات الطرح الوطني الشامل، او تفاديا لاثارة حفيظة الحلفاء المقاتلين. فتقاسمت تنظيمات المعارضة الوطنية أقاليم الوطن فيما بينها على الصعيد العملي، بينما ظلت تجتهد عبر تحالفاتها في طرح خطاب قومي للحل الشامل العمومي الذي لا يخوض في التفاصيل. 


هذا الاستعراض السابق، ليس دعوة تخذيل ولا تراجع عن اَي مواجهة مع النظام الحاكم، ولكنه دعوة لفصائل المعارضة السودانية للبدء في مواجهة صريحة مع الذات ومع الواقع، من اجل البحث عن سبل أمضى وأنجع لخدمة اهداف الممارسة السياسية، والتي هي خدمة وتحقيق مصالح الناس السودانيين في المقام الاول. ما تحتاجه المعارضة هو النظر الي الحقائق السالبة والإيجابية بصدق مع الذات لاجتراح هذه الطرق. والشاهد انه لا يوجد صواب مطلق ولا خطأ مطلق ولكن هناك واقع يحتاج للتعامل معه كما هو، وليس كما نريده او نظنه في عقولنا.