Wednesday, 30 December 2015

أوقفوا الحرب بأدوات إيقاف الحرب والحل السياسي الشامل ملحوق

أوقفوا الحرب بأدوات إيقاف الحرب والحل السياسي الشامل ملحوق 


  
 
"Reason has always existed, but not always in a reasonable form"
Karl Marx 
Letter to Ruge. September 1843

ظلت موائد التفاوض السياسية بين النظام الحاكم للسودان اليوم وبين حركات المقاومة المسلحة مشغولة على الدوام طوال السنوات الخمسة الماضية وقبلها.
فالتفاوض لإيقاف النزاع المسلح في دارفور لم ينقطع ما بين أبوجا والقاهرة والدوحة ومؤخراً أديس أبابا برعاية وسطاء إقليمين ودوليين مختلفين. ولكن هذا التفاوض ظل مأزوما على الدوام، بعدم شموليته لكل الأطراف المنخرطة في الصراع الدارفوري ورغبة الحكومة الواضحة في فرض واقع عسكري مغاير على الأرض يساعد بشكل تلقائي على تدعيم مواقفها في طاولة التفاوض. وهو الأمر الذي نجحت فيه مرارا والي حد كبير باستخدام سياسة فرق تسد بعقد اتفاقيات منفردة مع بعض فصائل النزاع دون الأخرى. هذا ناهيك عن الأثر السلبي وموروثات انعدام الثقة الذي خلفه التمادي في نقض عهود الاتفاقيات المبرمة بشأن دارفور. كل ذلك دفع بالحركات التي جنحت للسلم في حين ما للعودة مجددا لميدان القتال
نفس منهج نقض العهود والتلاعب بها من قبل النظام، أدى إلى إعادة إشعال الحرب مع الحركة الشعبية في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق كنتيجة حتمية للتطبيق الجزئي لاتفاقية نيفاشا، التي منحت البلاد قدر نسبيا من الاستقرار خلال سنوات تنفيذها وأعادت بعض العافية للحركة السياسية لا تزال الأحزاب تنعم بما تبقى منها حتى اليوم. وأبرز مظاهر تلك العافية علنية وشرعية العمل الجماهيري. بالطبع لم تكن كل تجليات هذه العافية والحفاظ عليها عطية مزين من المؤتمر الوطني الحاكم بل ظل نشاط وحركية الأحزاب الحضرية، حزام أمان منع النظام من التراجع عنها بانتهاء امد الاتفاقية. وان كان النظام لا يألوا جهدا أو يوفر حيلة في سعيه الدؤوب للتلاعب بها والحد من أثارها على مساحات بسط سلطانه القمعي.
ازداد تعقيد جولات التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية بما تلى من تنصل الأولى عن اتفاق نافع/ عقار أول حين اشتعال الحرب. الاتفاق الذي كان قد وضع أسس مادية لتنفيذ ما تبقى من اتفاقية نيفاشا، وأسس سياسية ملموسة لحل الخلافات المترسبة عن خلل نقصان ذاك التطبيق. دفع هذا التعنت بمزيد من عدم الثقة في نوايا النظام إلى أفئدة مفاوضي الحركة الشعبية، فسعوا بعده لحلول أكثر تجذيرا للأسباب حول قضايا المنطقتين
تعقد التفاوض أكثر بل وقف حمار شيخه في العقبة، بين إصرار الحركة الشعبية على مناقشة الحل السياسي الشامل وتعنت الحكومة في القبول باي حل موقت مقبول للطرف الأخر لقضايا إيصال المساعدات الإنسانية. والتي تصر على تولي أمرها وإمساك حبل تدفقها، حتى بالنسبة للمواطنين في المناطق تحت سيطرة الحركة. ومناقشة موقف النظام الحاكم في هذه النقطة هو من قبيل اجترار المكرور الممل. فالنظام الذي يستند إلى قوة الأمر الواقع في إدارته لشأن الدولة في السودان، يعتبر شرعية كل أدوات وأليات عنفه هي من شرعية احتكاره لجهاز العنف الشرعي للدولة بشكل مباشر وكلاسيكي. ومجريات الحرب في دارفور والمنطقتين على مدى السنوات الماضية تخبرنا انه لا يتورع عما هو أكثر من استخدام كرت المساعدات الإنسانية في مائدة التفاوض
اندفاع الحركة وإصرارها على الاستمرار في طرح الحل السياسي الشامل على مائدة التفاوض على قضايا المنطقتين هو الذي يستحق النقاش.  فالحركة مدفوعة لهذا الطرح بعدة أسباب. منها تحليلها الكلي لمشكلة الحرب في السودان وجذورها في التنمية غير المتوازنة والخلل في توزيع السلطة السياسية بين أقاليم البلاد.  ولكن الأمر الذي لا يغيب على الحركة الشعبية ومفكريها السياسيين أن مثل هذه الأسباب المتجذرة لن يتم التوصل إلى حل لها ضربة لازب عبر مائدة تفاوض سياسي لإيقاف حرب إقليمية محدودة على مناطق بعينها مهما اتسعت مساحتها. أقصى ما يمكن عمليا هو تحقيق مكاسب مناطقية مادية تخدم المواطن السوداني في تلك المناطق الموبوءة بالحرب وتقلل من أثار التمييز التاريخي الواقع عليه بما يسمح له بمواصلة الحياة بشكل أفضل، وفتح باب النضال المدني في اتجاه القضاء الجذري على تلك الجذور.  فتلك الجذور التي تعود إلى دستور ستانلي بيكر الاستعماري للحكم الذاتي في السودان عام ١٩٥٣ والذي لم تجد النخبة السودانية بديلا عن اتخاذه مرجعا في كل محاولاتها لصنع نظام حكم ديموقراطي في البلاد، يتطلب القضاء عليها عملية سياسية معافاة وطويلة الأمد بأكثر بكثير مما تأخذه آماد مفاوضات إيقاف الحرب وتفاصيلها التقنية. هذه المكاسب الناتجة عن الحرب وفرض عملية إيقافها على الأطراف المتحاربة هي التي يمكن لها أن تبدأ مثل تلك العملية السياسية. فالشاهد انه بالرغم من صعوبة اتخاذ مواقف مطلقة سلبا أو إيجابا نحو استخدام الأدوات العسكرية في العملية السياسية، إلا أن أثار الحرب تتجاوز الأثار المادية المباشرة لمن يكسب ماذا على ميدان المعركة، إلي أثرها البالغ في إثارة انتباه ولفت أعين النخب السياسية -سمها طبقة الأفندية إن كان يزعجك التصنيف الطبقي للبرجوازية الصغيرة-إلى قضايا بعينها.  انتباه هذه الطبقة الغافلة إلى الأثر الكارثي لما تنتجه مناهج التنمية التفضيلية غير المتوازنة والنتائج السلبية للتمييز المناطقي والاثني -سمها عنصرية الجهاز المركزي للدولة إن راق لك الوضوح-على الأمد الطويل هو أفضل ما يمكن إن تنتجه الحروب الإقليمية المحدودة لبدء عملية تغيير جذري في البلاد.   فالحرب إن لم تفرض إرادة "البندقية الأطول" -حسب تعبير السيد الصادق المهدي في وصفه لاتفاقية نيفاشا واستعاره منه دكتور منصور خالد في وصف تاريخ السودان منذ عهد محمد علي باشا بانه حسم بالبندقية الأقوى أو الحربة الأطول-تنتهي بفرض توازن الإرهاق، الذي يفرض على الطرفين المتحاربين قبول تنازلات مرضية للطرف الأخر تختلف عن مواقفها الأولية. وحروب السودان في المنطقتين ودارفور (المناطق الثلاث) ابعد ما يكون عن القدرة عن فرض طول البندقية. وليست حروبنا السودانية وحدها ذات الخصوصية في الانتهاء إلي توازن الإرهاق هذا بل إن تجارب محاربة التمييز على العنصري والمناطقي على مر التاريخ تخبرنا بذلك الدرس مرارا وتكرارا. من مفاوضات نظام الابارتيد مع مانديلا في جنوب إفريقيا وحتى استفتاء الاستقلال الإسكتلندي قبل عامين
وأيضا يدفع بالحركة لتبني هذا الموقف التفاوضي عاملين متداخلين شكليا ومختلفين موضوعيا. الأول هو ارتباط الحركة الشعبية في تحالفات عضوية مع عدة طيف واسع من أجسام المعارضة السودانية التي تسعى للحل السياسي الشامل، والثاني هو ارتفاع نبرة وصوت المزايدة السياسية التي ما فتئت ترمي الحركة بسعيها إلى اتفاق "صفقة ثنائية" تشارك بها السلطة
وهذا العامل الثاني يمثل أحد أسوأ أمراض السياسة السودانية التي تجنح ببعض التنظيمات السياسية لفرض وصاية سياسية على تنظيم أخر وخطه السياسي عبر خطاب التخوين -الواضح والمستتر-الذي يمضي إلى تجريم مصطلحات مثل (تسوية)، (تفاوض) وغيرها من العمليات السياسية بإضافة لازمة الثنائية لها. اللازمة التي تهدف إلى بذر فكر المساواة بين الحكومة والحركة في لا وعي المتلقي السياسي الذي ما إن يترسخ في وعيه (عيب شؤم) الثنائية حتى يضع كل الأطراف على سرج واحد. فيستوي عنده الضحية والجلاد، المناضل والطاغية، الزير سالم وجساس، أرثر ولانسيلوت ولا يهم إن احترقت كاميلوت. التخوف من هذه المزايدة قد يكون بين ما يدفع بالحركة للاستمرار في حمل أجندة المزايدين معها إلى مائدة التفاوض. 
خطاب المزايدة هذا هو أول ما ينبغي تعريته، وإعادة تسمية الأشياء بأسمائها. فإيقاف الحرب يتم عبر صفقة أيقاف الحرب وطبيعي إن صفقة إيقاف الحرب تتم بين الأطراف المتحاربة. ناهيك عن اغلب هذه الأصوات المزايدة هي نفسها التي ظلت ترفع رايات الرفض لأي تحالف أو تقارب مع فصائل الجبهة الثورية تحت دعاوي انهم حملة سلاح ومواثيق التحالف معهم تسعى لتفتيت للبلاد. بعض المزايدات ستستمر أيا كان توجه الحركة الشعبية وحركات دارفور السياسية في شأن إيقاف الحرب. والأولى بفصائل الجبهة الثورية هنا الانتباه إلى إن إيقاف الحرب يخدم مصالح القوى الاجتماعية التي تعبر عنها هذه الحركات ويحقق لها مكاسب تفضيلية قد لا ترضي أصحاب الأصوات المزايدة على مختلف توجهات عقائدها السياسية. 
بالنسبة للحل السياسي الشامل وما وقر في فؤاد المجتمع السياسي السوداني بان ركيزته الأساسية في التحول السياسي الديموقراطي. فالشاهد إن إيقاف الحرب يحقق خطوات عدة باتجاه هذا التحول. هذا الحل الشامل لن يتأتى إلا عبر عملية إعادة صياغة كاملة لجهاز الدولة السودانية تتطلب ما هو أكثر من مظاهر الديموقراطية الإجرائية من تصويت وانتخاب وبرلمانات الخ... إلى حقيقة التغيير الديموقراطي لجهاز دولة تخدم شعبها وتحترم خصائصه وتعبر بشكل شمولي عن اختلافاته الثقافية والإثنية والعقدية... وذلك هو جوهر الغرض من الديموقراطية. إعادة الصياغة هذه تتم عبر عملية سياسية قد تفرض الحرب بدايتها، لكنها لا يمكن إن تتم بشكل كلي باتفاق إنهاء الحرب فقط ولا تكتمل إلا عبر نضال سياسي مدني في بيئة معافاة من مرض البندقية السياسية. والواقع يقول إن القوى المدنية التي تطالب بالحل الشامل تكسب حال إيقاف الحرب حليفا قويا يشاركها هدف التغيير الجذري، متمثلا في الحركة الشعبية وحركات دارفور. ناهيك عن أن اتفاقات إيقاف الحرب تمنح بالضرورة المجتمع السياسي الحضري مساحة حريات وحركة أوسع من القيود التي تفرضها حكومة المؤتمر الوطني المنفردة حاليا. والتشكيك في إن اتفاقات وقف الحرب المناطقية بين النظام والحركات المسلحة سينهي نضال هذه الحركات باتجاه اندماجها أو ذوبانها في النظام هو زعم استعلائي بغيض ينبغي لأصحابه إعادة النظر في مبدئية تحالفهم معها لو حملوا لها مثل هذا الشك
بالضرورة أيضا فان إيقاف الحرب يحل جذر الأزمة الإنسانية التي يعاني منها المواطن السوداني في المناطق الثلاثة. والمسئولية الاجتماعية تجاه هذه الأزمة الإنسانية -التي لا تتوقف عند المجاعة المتكررة سنويا بظرف الحرب- هي واجب على المجتمع السوداني وان عجزت عنه حكومة المؤتمر الوطني أو استخدمته ككرت على مائدة التفاوض. مظاهر هذه الأزمة تتعدى المجاعة الدورية إلى الغياب للخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرها والي ضحايا الموت المجاني للمدنيين جراء القصف الجوي الأعمى والي التشرد والنزوح ... وغير ذاك، فالأزمة الإنسانية في مناطق الحرب الثلاثة لن يحلها فتح ممرات الإغاثة ولا تقديم المساعدات بشكل سنوي.
النقاش المحمود عن مجريات المفاوضات، الذي أثاره مقال عارف الصاوي ومجدي الجزولي المشترك وما تلاه من رد خالد عمر عليهم سقط في فخ مناقشة تفاصيل شكليات الاختلاف في مجريات جولات المفاوضات الجارية في أديس. وغرق المقالين في نقاش من وافق على ماذا ومن اعترض ومن اقترح ماذا. والشاهد إن تلك التفاصيل ستبقى تخص الوفود المتفاوضة مهما استعانت قياداتها بشورى الخبراء. ما يجب على بقية القوى السياسية وما يهم هو اتخاذ موقف واضح في اتجاه تدعيم خروج هذه المفاوضات باتفاق لوقف الحرب. وما هو أصلح في هذا الطريق هو دعم حلفائها في الجبهة الثورية للخروج بأفضل اتفاق ممكن يحقق لهم وللحركة السياسية مكاسب ملموسة. خصوصا انه من الاستسهال والبلاهة بمكان افتراض أن النظام سيتنازل فيما تبقى من قضايا _غير تلك المتعلقة بالحل الشامل-ويجنح للسلم العقلاني فور قبول الحركة بمناقشة قضايا المنطقتين فحسب. كل من منهجي التخوين ووضع كل بيض الاتفاق السياسي الشامل على سلة طاولة أديس هو مما يعطل ذلك الهدف الأقرب. معركة التحول السياسي الشامل لن تنتهي في السودان بمجرد إحلال السلام في المناطق الثلاث. فلنوقف الحرب أولا ونعش لنواصلها.

Sunday, 13 December 2015

صراع المفاهيم الصحيحة: نقد المجتمع المدني السوداني أم نقض قيوده

صراع المفاهيم الصحيحة:
نقد المجتمع المدني السوداني أم نقض قيوده



(١)
"It is not enough for thought to strive for realisation; reality must itself strive towards thought."
Karl Marx                                                                                   
A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right

(٢)
الصراع الدائر بين منتقدي العمل الطوعي بدافع انه يخصم من جهد النضال السياسي ضد النظام، وبين المدافعين عنه على إطلاقه، وما بينهما من الانتقادات المرسلة على عواهنها للمجتمع المدني يحتاج لتبيان عدة مفاهيم في سياقها التاريخي السوداني.
 لا توجد ضفة صواب مطلق في هذا الصراع، فكل من المعسكرات الثلاثة تمتلك أسانيدها المادية المبنية على الواقع المعاش. ومن الحمق بمكان افتراض الصواب المطلق لإحداها دون الأخريات. وربما يكون الأجدى تتبع الأسانيد الموضوعية لكل معسكر للوصول لرأي متكامل حول سؤال طوعنة النضال المطروح بشدة حاليا. 
بتتبع تاريخي بسيط لتطور المجتمع المدني (وهذه الكلمة مستوردة على السياق السوداني لوصف ما عرفناه بالعمل الأهلي في السودان)، نجده نشأ وأخذ شكله الجمعي المؤسسي في خضم سعي الناس لإنشاء مؤسسات مملوكة لهم ويمتلكون امر تمويلها وتوجيهها وإداراتها بعيدا عن يد السلطة السياسية وأدواتها. بل كانت هي نفسها أدوات لمقاومة هذه السلطة والانعتاق من الارتهان لمؤسساتها. عرفنا المؤسسات الأهلية منذ عهد مقاومة الاستعمار فكان المعهد العلمي (ما بخش مدرسة المبشر عندي معهد وطني العزيز)، وكان معهد القرش، وعرفنا مؤتمرات الخريجين وجهودهم لمحو الأمية وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية، ورأينا الجمعيات الأدبية في أب روف والهاشماب وإسهاماتها في المجتمع السوداني وغيرها من منظومات الاتحادات العمالية والفئوية والنسائية والطلابية والشبابية بل حتى المناطقية، التي لم تحصر نفسها على الإطلاق في إطار يحدده لها اسمها، بل خاضت في معركة التنمية والخدمات والتحرر الوطني حتى النهاية. 
ازدادت فعالية هذه المنظومات وجنحت إلى مزيد من التخصص خلال العهد الوطني بعد الاستقلال، فانتشرت منظومة المدارس الأهلية (والتي بزغ فجرها منذ عهد الاستعمار) وتطورت جمعيات أبناء المناطق لمخاطبة قضايا التنمية المحلية بشكل أشبه بمجموعات الضغط في نظم الديموقراطية الغربية اليوم. كل هذه الجهود التطوعية لم تكن بعيدة في أي لحظة من الصراع الاجتماعي والسياسي المحيط، بل دفع بها ذلك الصراع لمزيد من التخصص في الأهداف والسعي لمزيد من الفعالية.  
كل ذلك الجهد الأهلي كان يعبر عن منظومات مجتمع مدني حقيقية تملا الفراغ بين الحكومة كسلطة سياسية وبين الناس، حسب التعريف السائد الذي يجنح به البعض لاعتبار أن الأحزاب السياسية ذات نفسها ما هي إلا احدى منظومات المجتمع المدني. كان الوضع في السودان بالضبط كما وصفه الراحل الأستاذ محمد إبراهيم نقد... كانت لدينا على الدوام منظمات مجتمع مدني ولكن لم نكن نعرف أن ذلك اسمها ... كل ما كان جديدا أن الفكر السياسي المعاصر أعاد تعريف منظماتنا الأهلية هذه تحت مظلة (المجتمع المدني والمنظمات الطوعية غير الحكومية). 
(٢)
هذه المنظومات كما سبق قامت بالأساس في خضم الحراك للانعتاق عن سلطة الدولة الإدارية. وكان من ثمار ذلك التطور النقابي الكبير الذي شهده تاريخ السودان وتطور منظومات اتحادات المرأة والشباب والطلاب بشكل بالغ الأثر على التاريخ السوداني. بل إن منظومات العمل الأهلي كانت السباقة لاقتحام مجالات جديدة للتقدم من تعليم النساء وصراعات بابكر بدري ومدارس الأحفاد لتحويلها إلى واقع، ومجالات محاربة العادات الضارة وغيرها وغيرها مما يحكي به كتاب التاريخ. وكان ذلك التطور -لو ترك لشأنه -كفيلا بإنتاج نموذج متطور لمجتمع مدني سوداني معافى من أمراض طوعنة النضال أو الارتهان لأجندة الممول، حتى أتى عهد التسعينات الكالح. 
كان نظام انقلاب الجبهة الإسلامية يعي تماما خطورة وجود هذه المنظومات خارج سياق سيطرته. فاعمل معول تكسيره أول الأمر في النقابات باعتبارها الأكثر فعالية في الحراك السياسي المباشر، ثم التفت إلى بقية منظومات العمل الأهلي ليصدر قوانين مفوضية العمل الإنساني وقانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني والتي فرضت شكل تطور معين للمجتمع المدني بحصره في المنظمات المسجلة عنده. القوانين التي شرعتها السلطة كانت ذات طبيعة أمنية بامتياز، منبتة تماما عن التطور البنيوي والموضوعي الذي شهدته المنظومات الأهلية والمجتمع المدني في السودان. 
هدفت هذه القوانين بشكل جوهري لحصر منظومات العمل المدني والنشاط الطوعي في السودان في الجانب الإنساني والخيري فقط لا غير (والاسم يخبرك). هذا التغيير ليس يكن محض تغيير وظيفي للمؤسسات الأهلية بل هو تغيير بنيوي يتعارض مع طبيعتها وتركيبتها وإرثها. 
كانت القوانين المذكورة ذات طبيعة أمنية بامتياز كما أسلفت بشكل يعكس توجهات حكومة انقلاب ٨٩ بشكل نموذجي. منحت تلك القوانين الحكومة سلطة الإشراف الرقابي الكامل على نشاطات المجتمع المدني بل منحتها سلطة الموافقة على التسجيل وتجديد التسجيل والحق في رفضه، وأكثر من ذلك فقد منح المشرع السلطوي نفسه الحق في تحديد مبادئ وأهداف العمل الطوعي (الإنساني كما اسماه) والتي اعتبرتها السلطة من شروط شرعية العمل الأهلي. وضعت هذه القوانين مؤسسات الجهد الطوعي السوداني في بيت الطاعة السلطوي الذي كان أساس قيامها من البداية هو السعي للانعتاق منه.
(٣)
تزامن اعتقال المجتمع المدني السوداني في محبس سلطة انقلاب ٨٩ مع ظهور وانتشار مفهوم المجتمع المدني العالمي واعتباره أحد الأدوات الضرورية للمحافظة على الديموقراطية في مواجهة تحديات العولمة. وأدى ذلك لانتشار شبكات الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية المختلفة بشكل متجاوز للجغرافيات والحدود القطرية. كما صاحب ذلك انتشار الاعتماد على التمويل الخارجي العابر للحدود باعتبار وحدة وعالمية الأهداف والحقوق التي تدافع عنها هذه المنظومات. أثر التمويل الأجنبي بشكل مباشر على التمويل الاجتماعي الوطني الذي كانت تحظى به منظماتنا الوطنية ويمنحها قدرا كبيرا من الاستقلالية في محيط عملها المحلي والإقليمي والعالمي. 
كما أدت العلاقات الاقتصادية الناشئة ألي تأثر كثير من منظمات المجتمع المدني بأجندة الممول. الأمر الذي انتبهت له كثير من الحكومات والدول والمنظومات القارية في الغرب فأصبحت هي نفسها -في مفارقة جديرة بالتتبع -أكبر ممولي المنح المقدمة للمنظمات المجتمع المدني (غير الحكومية). 
بالطبع لم يؤثر هذا العامل على كل منظمات المجتمع المدني بذات القدر، وفي ذات الحين لم يلجأ كل ممول لاستخدامه. ولكن ظاهرة منظمات تقوم من اجل التمويل وليس لأهداف معينة ظهرت بالفعل. 
تطور المؤسسية والعلاقات الاقتصادية داخل هذه المؤسسات مع مجزرة الصالح العام التي شهدها السودان في التسعينات أدى إلى جعل هذه المنظومات أحد أكبر مجالات التوظيف المهني. الأمر الذي ساهم مع قوانين بيت الطاعة السلطوي إلي نزع صفة التطوع من هذه المنظمات بشكل كبير. وهذا لم يكن شرا كله بل ساهم في زيادة الفعالية والالتزام في عمل هذه المنظمات ولكنها طلت تدور في فلك الحدود التي رسمتها له السلطة. 
(٤)
كل تلك العوامل السابقة أدت إلى ظهور شكل جديد من العمل الطوعي في سياق الحراك الاجتماعي السوداني. فظهرت المبادرات التي تستند في شرعيتها على قيم عملها وأهدافها -مثل لا لقهر النساء، نفير، شارع الحوادث، تعليم بلا حدود ... الخ-والتي استندت إلى شرعية الحوجة لعمل اجتماعي أو مدني معين في لحظة معينة متجاهلة تماما قوانين التنظيم التي وضعتها الدولة. واختارت الرجوع لأشكال وتقاليد العمل الأهلي التطوعي السوداني القديمة وأساليب التمويل الوطني القاعدي. نجحت هذه المبادرات في انتزاع مساحاتها للعمل ولكنها بقيت أسيرة لحظتها فلم تستطع التمدد خارج المساحات التي انتزعتها للعمل بضغط لحظة التكوين الأولى. هذه المبادرات الطوعية وان كانت قد قدمت خدمات جليلة وعظيمة في المجالات التي عملت فيها لكن شروط الواقع لم تسمح لها بالتطور المؤسسي الموضوعي ناهيك عن الرهق الذي لقيته في مواجهة سلطة لا تعترف بها ولا ترغب في التعامل معها. 
جهود هذه المنظومات الطوعية لا تخصم بالطبع من تراكم أي نضال سياسي ضد النظام. فالشاهد أن غرض الحراك السياسي هو حل مشاكل الناس بشكل أو باخر وليس تأزيم حياتهم إلي الحد الذي يجعلهم يغيرون النظام السياسي. فالوعي بالحقوق السياسية والاجتماعية هو الكفيل بصناعة التغيير وليس الأزمات الاقتصادية والاجتماعية فحسب. ناهيك عن أن هذه المبادرات -والمنظمات-ساهمت في تعرية أوجه قصور الدولة بشكل كبير للمواطنين ونشرت ثقافة محمودة للمسئولية الاجتماعية. 
(٥)
إن أزمة المجتمع المدني في السودان ليست أزمة داخلية فيه بل هي أزمة حصار سلطوي أدى إلى إجهاض تطوره الموضوعي بمحاولة وضعه خارج سياق الصراع الاجتماعي والسياسي وحصره في تقديم المساعدات الإنسانية ومساعدة الدولة في مشاريعها. والتفكير في تدبر مخارج هذه الأزمة لا يبدأ بنقد المجتمع المدني -على ضرورة ذلك-بل في محاربة وتكسير قيود القوانين السلطوية التي تمنع تطوره الطبيعي. إن رجوع المجتمع المدني إلي الفعالية السياسية والاجتماعية كفاعل تقني غير حزبي يناصر ويدعم التوجهات السياسية التي تتفق مع قيمه المطلقة التي يدعو لها هي أفضل ما يمكن أن يحدث لهذه البلاد في سعيها نحو دولة حقوق ومواطنة وسيادة قانون حقيقية.