Thursday, 11 May 2017

قضية البارون وحدود سلطة الدولة

هو الحق من شعبكم ... فمن شاء فليتضامن ومن شاء فلا

ما اثارته قضية الشاب محمد الدسوقي الملقب بالبارون من حالة استقطاب حادة بين أوساط الناشطين الاجتماعيين والسياسيين في السودان، بين تضامن ولا تضامن ووصلت الي حد التطرّف في الاساءة للرجل كعاصفة العصاب الانفعالي الذي أمسك بتلابيب تعليقات مامون التلب، تثير الدهشة حقا. فالمعركة غير انها كلها في غير معترك فقد انقسمت الخنادق فيها بحدة واسقط فيها كل طرف ما يشاء من دانات الإدانات على ضمائر الطرف الاخر

فاولا الشاب يستحق التضامن... كونه بشر حي معرض لخطر الموت او انعدام الحرية في ظل بنود تتيح للدولة قتله بسبب فكرة في رأسه او حتى تصرف قام به ولَم يعتدي به على اي احد اخر. وهنا التضامن هو موقف مبدئي في وجه عسف سلطة لا تعترف بحدود لها. هذا التضامن ليس مربوطا على الإطلاق بموقفك من تصرفه قبولا او رفضا... بل هو موقف في وجه غول سلطة غاشمة

ثانيا...  المعركة الحقيقية التي انصرف عنه الناس الي  سؤال الحقوق والحريات ونصبوا أنفسهم في الجانبين قضاة وحكاما على النوايا... اما ادانة لموقف البارون وتنقيبا عما يحسبونه يقدح في نواياه، او بالطرف الاخر إدانة للمنتقدين واتهاما لهم بعدم الاتساق السياسي والرجعية في مسالة الحريات... وكلهم تجاهلوا السؤال الأهم ... وهو هل يحق لجهاز الدولة ان يقتل او يعتدي على حرية إنسان بسبب فكرة في رأسه... او فلنمضي ابعد   من ذلك، هل يحق للدولة ان تقتل على الإطلاق ؟!
دور وواجب الدولة هو تنظيم الحراك الاجتماعي وتداخلاته بين الناس وليس تأديبهم وإجبارهم على سلوك  معين او فكرة معينة ما دام لا يتجاوز مساحاتهم الشخصية والفردية الي مساحات الآخرين. وكذلك ليس من الواجب الدولة الانتقام باي شكل من الأشكال لذلك لا يحق لها ان تقتل أصلا

هذا السؤال الذي تجاوزه الناس الي حرب غبراء بين من يتضامن وبين من لا يتضامن كان هو الاجدى بتجميع الناس حوله وفتح النقاش فيه وعنه

اما فعله البارون نفسه، وأدى الي اثارة كل هذا اللغط، فهو من حقه تماما وخيار واعي اتخذه ونفذه، ولكن هل يصلح ان نقول انه آلية للتغيير الاجتماعي .. في رأيي لا... فكما لا نعترف للدولة بسلطة في محاكمات معتقدات الناس لا يجب ان نعترف لها باي سلطة في تغيير هذه المعتقدات. الدولة ليست اخ اكبر نذهب اليه لنستاذنه في تغيير خياراتنا الشخصية -وبالمناسبة بند الديانة موجود فعلا في استمارة طلب الأوراق الثبوتية ومحفوظ في السجل المدني لكنه لا يظهر في البطاقة او الجواز- في رأيي ان البارون هزم قضيته بنفسه عندما اعترف بان للدولة أصلا سلطة في اجازة تحديد خياره لمعتقده

فلندع اللجلجة جانبا ونلتفت الي ما هو اهم وأوضح في كف يد سلطة غاشمة عن التغول كل يوم على مساحات أوسع في الفضاء المدني في مجتمعاتنا. وحينها ... حينها فقط ستصبح القضايا والمواقف أوضح وأكثر جلاء 



امجد فريد الطيب 

Tuesday, 2 May 2017

والشعب محال يبلغ آمال ان لم "يدرس" شأن العمال

 والشعب محال يبلغ آمال ان لم "يدرس" شأن العمال
د. امجد فريد الطيب 

العنوان أعلاه، يقتفي اثر نشيدالعمال الذي أنشده شاعرنا محمد بشير عتيق، في زمان اخر كان يحتفي بقيمة العمال وامال النهضة الصناعية في السودان من بين دخان ماكينات السكة حديد واحلام المصانع الكبيرة التي س(تصحى بهمة وتدور)، إليّ اخر رومانسيات سياسة ذلك الزمان. وقد حققت الحركة العمالية السودانية في تاريخها الوطني المجيد انتصارات شتى امتد اثرها وانداح، في صفحات كتاب التاريخ الوطني. الا ان متغيرات السياسة والاقتصاد في السودان  فرضت واقعا جديدا يتطلب دراسته عن طبيعة الطبقة العاملة السودانية.
عيد العمال هو مناسبة موائمة جدا للنظر في المتغيرات التي حاقت بطبيعة الطبقة العاملة وتركيبتها في السودان. فبالإضافة الي فشل التحليل الكلاسيكي للطبقة العاملة عن استيعاب انضمام فئات جديدة من اصحاب الياقات البيضاء والذين كان يتم تصنيفهم في مواقع  الطبقة الوسطى البرجوازية (مثل الموظفين، والأطباء وغيرهم) الي صفوف الطبقة العاملة باعتبارهم 
قد أصبحوا يبيعون وقتهم وجهدهم وليس مهارتهم الي ارباب العمل، كذلك فشل مفكري اليسار السوداني عن استيعاب وتحليل واقع كثير العمال من العمال اليدويين غير المهرة

مثال لهذه الفئات: العمال الزراعيين الموسميين (الجنقو) والذين لا نكاد نجد لهم ذكرا في كراسات اليسار السوداني، بالرغم من ان التمييز الاجتماعي ضدهم له طبيعة مركبة ذات طابع طبقي واثني في ان واحد

كذلك تقاصرت كراسات اليسار عن دراسة وتحليل اوضاع عمال السوق (المصطلح منجور)، مثل بائعي المياه وبائعات الاغذية والسريحة. فمن الجور بمكان وصف هؤلاء او وضعهم ضمن صغار التجار ... ذلك ان نشاطهم الاقتصادي يعتمد بالأساس والي درجة كبيرة على جهدهم البدني وليس فائض ربح بضاعتهم. مجموعات عمال التعدين الجديدة، والتي تعمل في شروط استغلال بالغة السوء أيضا تحتاج الي دراسة طبيعتها وكيفية توفير شروط عمل عادلة وصحية ومفيدة اقتصاديا لهم وللمجتمع

متغيرات الاوضاع العامة للطبقة العاملة التقليدية، هي أيضا مما يستحق الدراسة، خصوصا مع انهيار القطاع الصناعي بشقيه الخاص والعام، وتنامي ظاهرة الاستعانة بالعمالة الأجنبية في مؤسسات الرأسمالية الجديدة في السودان

متغيرات اوضاع وتركيبة الطبقة العاملة في السودان يجب ان تكون محل اهتمام ودراسة وبحث متخصص للمهتمين بالشأن العام والباحثين عن اطروحات عملية لقضايا التنمية والعدالة الاجتماعية، بشكل علمي لا ينفع معه طق الحنك ولا ترديد الشعارات. وهذه الدراسة تحتاج الي اتساع الأفق الأيدولوجي لتناول متغيرات العصر بذهن متقد وعقل مفتوح مع الالتزام الصارم في ذات الحين بالانحياز الطبقي لمبادئ العدالة الاجتماعية وانهاء الاستغلال
وعيدا مجيدا لعمال السودان